قراءة
في رحاب الرسول (ص)
المؤلف: الشيخ فوزي السيف
إضافات: دار المحجة البيضاء، ط1/1426
مرات العرض: 5394
القراءة والتنزيل: عدد مرات التنزيل: (1850) قراءة
بين يدي القارئ والقارئة
قبل أحد عشر عاما صدر كتاب (رجال حول أهل البيت)، وبعده بثمانية أعوام صدر كتاب (نساء حول أهل البيت)، وعندما أريد إعادة طباعة الكتابين رأى بعض الإخوة تجزئة هذين الكتابين بحيث يصدر كتيب حول كل معصوم، وأصحابه (رجالا ونساء)، فكان هذا الذي بين يديك، وهو يحقق عدة أمور، منها سهولة تداول كل قسم من أقسامه، بخلاف ما إذا كان أربعة مجلدات كبيرة، ومنها أن الفئة المخاطبة به هي الفئة الشابة وهم يقبلون على الكتاب الصغير حجما، أكثر من إقبالهم على كبير الحجم، ومنها أنه من خلال هذا الجمع سيتم الاحاطة بحياة المعصوم من جهات متعددة.. لكل هذه الأمور، تم تنسيق الكتابين بهذا النحو.

مقدمة الطبعة الأولى
ليس الكتاب الذي بين يديك كتاب (رجال) بالمعنى المصطلح. أي أنه لا يبحث ـ فقط- أحوال الرواة من جهة تحملهم للرواية، و من جهة وثاقتهم و عدمها.. و إنما يحاول هذا الكتاب البحث عن(حياة) هؤلاء الرجال و (مواقفهم) و (إسهاماتهم) في حركة الدين والأمة. وهذا الجانب يصعب العثور عليه، عادة، فكتب التاريخ لا تتحدث عن إلاّ ما يرتبط منه بالحروب و الأحداث السياسية الكبرى.و كتب الرجال متخصصة من جهة فليست في متناول العموم لغةً وأسلوباً، و من جهة أخرى فإنها تنظر إلى هذه الشخصية أو تلك من زاوية روايتها للحديث.. و صدقها أو عدمه.. فلا تسجل (مواقف) و لا ترصد تاريخاً، إلاّ نادراً.
لذلك غابت مواقف هؤلاء الأبطال، و سيرة حياتهم ـ في الغالب- عن حاضر الأمة.
و هذا الكتاب الذي يتحدث عن مواقف (65) رجلاً من رجال الإسلام في مختلف أدواره، مساهمة أرجو لها أن تنفع المؤمنين في معرفة أولئك الرجال وفي الاقتداء بسيرتهم.
فوزي آل سيف
28/محرم /1414 للهجرة

المقدمة
(1)
من نعم الله على الإنسان أن عرّفه المنازل التي يستطيع الوصول إليها، والدرجات التي يمكنه الارتقاء إليها.
ولولا ذلك..لأصبح الإنسان رهين الحمأ المحموم، يتثاقل إلى الأرض ويتقلب في شهواته مرتداً إلى دركات الهوى و﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ.
تلك المنازل والدرجات التي وصل إليها الإنسان كان أفضل من ملائكة الله الذين ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ.
ولم تكن هذه المعرفة مقتصرة على إرشاد الكتب السماوية، بل إضافةً إليها، ودائماً، كان هناك من يطبقها، ويجسدها فيغدو النموذج الحي الذي تصنعه تلك الرسالات، وهكذا كان دائماً ثنائي الكتاب ـ الرسول (والإمام) جوهر الحركة التاريخية.
هكذا كانت الكتب السماوية والأنبياء والمرسلون يخلقون من الأشخاص (معاجز) ومن العاديين من الناس منازل ودرجات.
وبهؤلاء تجسدت القيم في بشر فحلت بذلك مشكلتين:
أولاهما: توهم البعض مثالية القيم الإلهية وخياليتها وإنها لم تأت لكي تتحول إلى واقع، بل تبقى طموحاً محلقاً في سماء التجريد، لا تناله يد التجسيد والواقعية بحال، وبهذا تفرغ القيم والفضائل من محتوى الالتزام، لتبقى ضمن إطار الفكر والمثال.
إنها ـ على هذا الأساس ـ غير قابلة للتطبيق، ومادامت كذلك فلا يصح المطالبة بها على أساس أنها برامج ملزمة.
والأخرى: أن هذه الشخصيات التي جسدت القيم وقفت سداً أمام الاستسلام للواقع والانهيار أمام ضغوطه. وربما لو لم تكن هذه الشخصيات تجسد القيم والفضائل كان المؤمل أن يغدو الخاضعون للشهوات والزاحفون على التراب هم النماذج المعقولة القابلة للإتباع، وأصحاب القيم يبقون في دائرة الشاذ النادر الذي لا يعبأ به، فتصبح سيرتهم مثار تعجب وحياتهم محور تساؤل.
لكن وجود هذه الشخصيات ـ والتي لم تكن قليلةً بحمد الله - وضع سداًَ أمام الانهيار والاستجابة للضغوط الشخصية والاجتماعية والسياسية فأصبح مجسدو القيم هم الأصل، وسواهم الاستثناء الشاذ، حتى وإن كان أولئك قلة بالنسبة لكثرة هؤلاء. وأصبح أهل الحق هم جماعة الأمة وإن قلوا.

(2)
من الرجال من لا يثبت كونه كذلك، غير قدرته على الإنجاب، ولو عدمت ذلك لكان بعيداً عن الرجولة.
وهناك رجال..(رجال)
رجال في وعيهم، ورجال في مواقفهم، ورجال في جهادهم. من صفاتهم تنتزع صفات الرجولة و تعرف، بكلماتهم تتحرك العزائم الميتة.
و بين أيدينا باقة عطرة من سيرة هؤلاء الرجال، سيرة بعضهم. تبث في الجو رائحة أشباههم و نظائرهم تماماً كما تستدل على رائحة الورد المحمدي برائحة واحدة منه.
هؤلاء (الرجال) اختاروا أن يكونوا (حول أهل البيت) في وقت تسابق غيرهم ليدوروا، حول أهل القصر و السلطة، و أهل الدينار و الدنيا.. اختار (رجالنا) أن يكونوا حول (أهل البيت) و هم يعلمون ما الذي يكلفهم ذلك و لا يختلف فيه أن يكونوا في زمان معاوية أو المنصور أو المتوكل.
التفوا (حول) أهل البيت الذين اذهب الله عنهم الرجس و طهّرهم تطهيراً، فراشات محبة و ولاء تهفوا إلى أنوار قدس و معرفة.
لم يكن هذا الالتفاف حول أهل البيت  وسام تفاخر و علامة مباهاة، بل عرفوه مسؤولية، و رسالة ذلك أنه كان يجب عليهم الارتفاع إلى مستوى الأتباع لأهل البيت و هو ـ لعمري- منزل متعال..

(3)
القدوات.. الرجال
هم خلاصة قصص القرآن و تجارب الأمم، ذلك أننا نجد محور هذه القصص ـ عادة ـ الأنبياء و المرسلين، و ما صنع المصلحون في مجتمعاتهم. و كأن القرآن بذلك يريد أن يعرّفنا على مواضع القدوة و التآسي. بل دعانا إلى ذلك.
﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ و بالرغم من أن كثيراً من فلاسفة البشر قد انتبهوا إلى الدور الذي يلعبه الرجال الأبطال في نفوس الناس ـ معاصريهم و المتأخرين - حتى شطّ بعضهم إلى تلخيص كل تاريخ الأمة في حياة البطل، إلاّ أنّهم غفلوا عن ناحية- أشار القرآن إليها _تلك أنهم لم يتصوروا إمكانية تكرار البطل، لأنه يأتي من خلال ظروف خاصة به.. بينما أشار القرآن من خلال عرضه لسير الأنبياء و الأولياء، إلى ضرورة أتباعهم، ودعى إلى الاقتداء بهم.هذا مع ملاحظة (أنكم لا تقدرون على ذلك)كما يقول أمير المؤمنين (عليه السلام) ،فإضافة إلى الظروف الموضوعية (زماناً و مكاناً) و التي ترافق صعود البطل مما لا يتكرر وجودها في كل وقت، إضافة لذلك فإن هناك عاملاً أساسياً يجعل تكرار البطل (كاملا) غير ممكن، ما نعتقده في الأنبياء و الأوصياء من أن الله قد أعطاهم ميزات استثنائية تبعاً لما حملهم من مسؤوليات استثنائية كذلك.
ولكن هذا لا يسقط عن الكاهل حمل المسؤولية في الاقتداء «و لكن أعينوني بورع و اجتهاد».
ضمن هذه النظرة تحرك أولئك (الرجال) في طريق أهل البيت حتى صار سلمان «منا أهل البيت» وصار مالك لأمير المؤمنين(عليه السلام) كما كان هو لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) و حتى مع تغير الظروف يصبح يونس بن عبد الرحمان في زمانه (أي حدود سنة 240هـ) كسلمان في زمانه كما يقول الإمام الرضا (عليه السلام).

(4)
اليوم.. حيث تصدر الثقافة لمجتمعاتنا مع علب الشوكولا، و حيث يتناول شبابنا (وجبة) الأفلام الأجنبية يومياً، و يغمضون أعينهم آخر دقائق اليقظة على أبطالها. و ترى البعض من هؤلاء الشباب يحفظون جيداً أسماء الممثلين و أدوارهم. كما يحفظون أسماء (أبطال) الرياضة، و يستطيعون التنبؤ بنتائج الدورات الرياضية و الفائز فيها. وترى البعض من الفتيات يحاكين مغنيات الفيديو كليب.
إن ما يحدث لا يقع في إطار الصدفة و الانفاق، إنّما يؤديه دوراً مرسوماً له.ذلك أن خلق مشاعر مزيفة للفرد من الحب والكراهية. والفرح والألم، كفيل بأن يغطي المشاعر الحقيقية. ويمتصها موجهاً إياها في غير مواقعها.
فإذا كان يشعر بالألم، فلم يكون ذلك لسوء أحوال مجتمعه السياسية والدينية والثقافية؟! ليستفرغ ذلك الشعور في البكاء من نهاية قصة الحب في الفيلم!!.
وإذا كان يعجب بالبطولة، فلِمَ ينظر إلى تاريخ الإسلام حيث بطولة السيف وشجاعة الموقف؟! لتكن البطولة في نظره ممثلة في الرجل الأبيض وهو يطارد بسلاحه الأوتوماتيكي جموع العزل من الهنود الحمر والزنوج السود!!.
ليستلهم البطولة من رعاة البقر، ومن ضخامة العضلات وإن كانت القيم بائسة!.
وهكذا إذا أراد مثلاً أعلى في الحياة،إذ لابد للشاب أن يحاكي غيره، فلِمَ يحاكي حمزة أو جعفر؟! دعه يقلد (نجوم) الرياضة، ويلبس ملابسهم، أو المغنين ويمشط شعره على طريقتهم!.
لقد صدروا لنا ثقافتهم، وطريقة حياتهم، من خلال أبطالهم والطفل العربي المسلم اليوم يحفظ أسماءهم قبل أن يحفظ جدول الضرب، فضلاً عن أصول الدين!!.
ولذا فإن العودة إلى الذات وإلى بطولات الأمة، يضع العربة في موقعها الصحيح.

(5)
(حول أهل البيت)
لو تتبعت في التاريخ، الذين كانوا حول أهل البيت والذين كانوا حول أعدائهم..تجد حول أعدائهم، من اتقنوا فن المديح الكاذب من شعراء سوقة، ومتملقين مرتزقة. وتجد أيضاً الأنصار الفسقة، والعلماء الذين اشتروا بآيات الله ثمناً قليلاً، وأخيراً الجلادين والوزراء الذين يمثلهم عمرو بن العاص بقوله لمعاوية: لو أطعت الله كما أطعتك وجبت لي الجنة.
وفي المقابل تجد حول أهل البيت ألسنة الحق وتراجم الصدق من شعراء العقيدة الذين حملوا أرواحهم على راحاتهم وانطلقوا معلنين موقف الرساليين، فكانت حياتهم ثمناً لكلماتهم، وتجد أيضاً الرجال الذين آووا ونصروا حين خذل غيرهم، وأعطوا الله من أنفسهم حتى يرضى- ولسان حالهم قول زهير بن القين: اللهم إنك تعلم أنه لو كان رضاك في لأن أضع ضبة سيفي في بطني حتى يخرج من ظهري لفعلت.
و(علماء حلماء أبرار أتقياء) لخصوا في أنفسهم مقومات الاتباع والاقتداء بأهل البيت، فإذا قلبت صفحات التاريخ تجد التفوق والتميز شعاراً لهم.. تجد (الكميت) ولا أحد يسبقه في مضمار شعره، والسيد الحميري، سيد الشعراء، وآخرون، حتى لقد قال القائل: وهل الشعر إلاّ عند الشيعة؟ وفي مساحات العقيدة، وقفوا سدً منيعاً أمام نفوذ الثقافات الفاسدة إلى دين الله، نظراء هشام بن الحكم، و زرارة بن أعين وغيرهم.
وميادين الحرب.. هل كانت تزين بغيرهم؟! هل غير حمزة كان فارسها، وهل كان إلاّ قيس بن سعد قد سوَّد على معاوية نهار يومه؟!.
وفي العلم الطبيعي.. من مثل جابر بن حيان خِرّيت كيميائها؟! وعلوم اللغة والعروض. هل مثل الخليل العروضي؟ أو ابن السكيت الكوفي.. ونظرائهم وأمثالهم؟!.
ولم يكن كل ذلك، إلاّ نفحة عرف من بستان أهل البيت (عليهم السلام) أولئك الذين يتصور الشاعر أبو فراس جزءاً من المسافة بين سلوك أهل البيت وأعدائهم في رائعته الميمية:

خلّوا الفخار لعلاّمين إن سئلوا

يوم السؤال وعمالين إذ علموا

لا يغضبون لغير الله إن غضبوا

ولايضيعون حكم الله إن حكموا

تبدو التلاوة من أبياتهم سحراً

ومن بيوتكم المزمار والنغم

الركن والبيت والأستار منزلهم

وزمزم والصفا والحجر والحرم


(6)
لن تجد على هذه الصفحات تاريخ سلطان، ولا حديثاً عن فتوحات ولن يمرّ البلاط ورجاله إلاّ للضرورة..
لكنك ستجد (رجالاً) قد تجهل بعضهم ـ عزيزي القارىء- وستتعجب حين لا تجد آخرين من (الصحابة) ومن (التابعين) إذ بالإضافة إلى أن خطة الكتاب ليست تسجيل (كل) أولئك فهذا يطلب في المطولات.. فإنك تجد في هؤلاء ـ وأمثالهم- حضارة الإسلام، ولب المجتمع الإيماني تجد فيهم: الوعي العميق، و الإيمان الثابت، والتضحية من أجل المبدأ، و تجد هَمَّ الجماعة، و تقديس الحق.
هؤلاء وإن كانوا مجهولين في أدوارهم و أهميتهم، بينما ارتقى منبر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) من يرى الحاكم الأموي أفضل من الرسول..
يبقى هؤلاء المجهولون في الأرض المبعدون عن المواقع المهمّة في المجتمع، المشردون و المقتولون ـ أحياناً- يبقون «يزهرون لأهل الأرض كما تزهر النجوم لأهل الأرض».

(7)
(رجال) ظلموا مرتين
الأولى:أثناء حياتهم، عندما جردّ عليهم أعداؤهم سيف البغي والعدوان فاستأصلوهم، لأنهم (كانوا على هذا الأمر) فأنت تلتقي بسعيد بن جبير في هذا المجال، وبدعبل الخز اعي، أو حرموهم من مواقع لا تصلح إلاّ لهم، كما ترى في حياة خالد بن سعيد بن العاص، وسلّطوا عليهم سيف التفسيق والتكفير كما تجد في نهاية أمر مالك بن نويرة، وهكذا.
وأخرى: مظلوميتهم بعد وفاتهم.. وكان روّاد هذه الظلاّمة، المؤرخون والرجاليون، والمحدثون إذ أن هؤلاء تتبعوا أولياء أهل البيت وشيعتم، فأسقطوهم - أو هكذا حاولوا ـ من الاعتبار، فلا تسمع بمنقصة إلاّ ونسبوها لهم.. وكأنهم تأسفوا أن لم يكونوا معاصرين لهم ليعدموا أشخاصهم، فتتبعوا بالاغتيال شخصياتهم.
وبهذا حوّل هؤلاء المؤرخون السلطويون الولاء لأهل البيت، والمشايعة لهم، والاقتداء بمنهجهم إلى (تهمة) وقد كانت أيام الحكومات الظالمة معارضة سياسية، فسبق هؤلاء الرجاليون أولئك الظلمة في هذا الأمر، ولم يكن أولئك يطمعون فيما صنعه هؤلاء.
ها نحن اليوم نشهد جرح هذا الراوي أو ذاك لا لشيء إلاّ لأنه شيعة لأهل البيت (عليهم السلام) فهاهو ابن حجر العسقلاني يرى! أن من أسباب الطعن في الراوي.. التشيع!! والذهبي يعد زرارة بن أعين وهو من حواريي الصادقين  ومن أبطال الفقه والحديث، يعده الذهبي (من الضعفاء)!! وسبب ذلك: (أنه يترفض)! ولقد رأى اتباعه لسادات الخلق ترفضاً.. وبعد يقول ابن عقدة أنه.. حافظ العصر وكان إليه المنتهى في قوة الحفظ وكثرة الحديث.. وُمقت لتشيعه!!.
وهكذا أصبح التشيع، وهو التطبيق الأفضل لتعاليم الإسلام، والاتباع الأكمل لرسول الله، أصبح عند هؤلاء تهمة سياسية.. ثم دينية!!.
وأبطالنا هؤلاء كانوا ممن ظلموا مرتين، على يد معاصريهم من أعدائهم، وأخرى على يد من جاء بعدهم ممن سار على خط مخالف لأهل البيت (عليهم السلام) .

(8)
﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ، فتأتي الجموع في المحشر، تلك فئة يقودها فرعون حيث ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ وتلك أخرى يقودها المال حيث (المال يعسوب المنافقين). وتلك ثالثة يقودها الجنس إذ أن الشهوة كانت المحرّك الأساسي لها في سعيها في الحياة وكانت تجسيداً كاملاً لـ: (بئس عبد الخميصة والفرج)، ورابعة تأتي يقودها ضب!! نعم الضب، ذلك الذي يضرب به المثل فيقال أضلّ من ضب، بايعه عدد ممن اعتزل أمير المؤمنين (عليه السلام) منهم عمرو بن حريث.. وهكذا لا يأتي الناس أفراداً بل يدعون حسب انتمائهم العقيدي والاجتماعي والسياسي، خلف راية أئمتهم وقادتهم سواء كانو طواغيت أو ضبابا، أعياناً خارجية أو أعضاء الجسم!!.
هذه النتيجة الأخروية تابعة للمقدمة الدنيوية.. إذ (أن لكل مأموم إماماً يقتدي به ويستضىء بنور عمله) ولا يمكن أن يبقى المرء بلا إمام، حق أو باطل.
والكثير ممن كانت نهايات أمرهم سيئة، وعواقب حياتهم رديئة، إنما لأنهم قصروا في معرفة الحق، وأسلموا زمام مواقفهم إلى قادة يفقدون الكفاءة والدين.
بينما نجد أحد أسوار عظمة غيرهم من (الرجال) أنهم عينوا – بشكل دقيق- القائد الرباني فاتبعوه، فتفجرت في قلوبهم ينابيع الحكمة بتوجيهاته، وتبلورت الطاقات الكامنة بتعليماته، وخرجوا بذلك من ظلمات الوهم إلى نور الحقيقة، حتى كادوا أن يكونوا من الفقه أنبياء.

(9)
من كانوا؟! وما الذي ميزهم عن غيرهم؟!
إن استعراضاً خاطفاً لما قيل فيهم، من مؤيديهم ومن مخالفيهم يجعلنا على معرفة بتلك الصفات والميزات التي انفردوا بها.
فالله سبحانه وتعالى يقول عنهم ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الاِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً
ورسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يصفهم بأنهم: أمنة لأمته كما هو (صلى الله عليه وآله وسلم) أمنة لهم، وكما يدفع به عنهم العذاب، يدفع بهم عن أمته الوعيد.
وأمير المؤمنين يمدحهم في نهج البلاغة بخطبة مفصلة منها.. أنهم: «أهل الفضائل: منطقهم الصواب وملبسهم الاقتصاد، ومشيهم التواضع، غضوا أبصارهم عمّا حرّم الله عليهم ووقفوا أسماعهم على العلم النافع لما نزلت منهم أنفسهم في البلاء كالتي نزلت منهم في الرخاء، ولولا الأجل الذي كتب الله عليهم لم تستقر أرواحهم في أنفسهم طرفة عين أبداً شوقاً إلى الثواب وخوفاً من العقاب، عظم الخالق في أعينهم فصغر ما دونه في أعينهم».
وهكذا الحسين (عليه السلام) حيث يصف هؤلاء بأنه لا يعلم أصحاباً أوفى ولا خيراً من أصحابه..
ولقد عرف هذه الصفات مخالفوهم وأعداؤهم، فقد قال ذلك القرشي عنهم و هم مجتمعون حول الرسول في بدر: ليس لهم كمين و لا مدد و لكن نواضح يثرب حملت الموت الناقع، أما ترونهم خرساً لا يتكلمون يتلمظون تلمظ الأفاعي مالهم ملجأ إلاّ سيوفهم، و ما أراهم يولون حتى يقتلوا و لا يقتلون حتى يقتلوا بعددهم.
و هذا معاوية بن أبي سفيان لا يخفي غضبه من الأنصار الذين قتلوا من أصحابه الكثير، الكثير حتى أنه لا يسمع بأحد مقتول إلا ويعلم أن الأنصار قتلوه، و لا يخفي أن نساء خزاعة لو قدرت على قتاله لفعلت قبل رجالها.. و يتعجب من وفاء أصحاب أمير المؤمنين له بعد شهادته رغم الترغيب و الترهيب..«لوفاؤكم له بعد مماته أعجب من طاعتكم له في حياته».
و عندما تبرز تلك الثلّة المؤمنة في كربلاء لقتال الجاهلية الأموية، فتثخن فيهم القتل المبارزة، فينادي القائد الأموي عمرو بن الحجاج الزبيدي بالامتناع عن هذا النوع من القتال قائلا:
- ويلكم يا حمقاء أتدرون من تقاتلون؟! إنما تقاتلون فرسان المصر و أهل البصائر و قوماً مستميتين..
«إن فرسان المصر في مجتمع محارب و هو ما كانه المجتمع العربي الإسلامي في ذلك الحين تعبير يعني الشخصيات البارزة في المجتمع فقد كان التفوق في الحقل العسكري أحد أفضل السبل لتبوء مركز اجتماعي مرموق يبعث على الاحترام بل لقد كانت هذه الصفة خليقة بأن تجعل يغضون النظر عما قد يكون في الرجل من خلال معيبة في نظر المجتمع.
و (أهل البصائر) تعبير يعنى به الواعون الذين يتخذون مواقفهم عن قناعات تتصل بالمبدأ الإسلامي و لا تتصل بالاعتبارات النفعية.
و إذن فنحن أمام نوع من الشخصيات تمثل النخبة الواعية للإسلام في المجتمع الإسلامي في ذلك الحين و هي تستمد، تفردها و تفوقها من فضائلها الشخصية و من وعيها الإسلامي و التزامها بمواقفها المبدئية..»( ).
وفي موقع آخر يقول أحد رجال عمر بن سعد عندما قيل له:- ويحك أقتلتم ذرية رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)؟!.
فقال: ثارت علينا عصابة أيديها في مقابض سيوفها كالأسود الضارية تحطم الأسود يميناً وشمالاً وتلقي أنفسها على الموت لا تقبل الأمان ولا ترغب في المال ولا يحول حائل بينها وبين الورود على حياض المنية أو الاستيلاء على الملك فلو كففنا عنها رويداً لأتت على العسكر بحذافيره، فما كنّا فاعلين؟!.
وهكذا عندما يحضر المهدي العباسي (حاضراً) الثائر السجين وقد طعن في السن وبعد أن شتمه واتهمه بالزنا، وهو الثائر على ظلم العباسيين مع عيسى بن زيد وكان قد قيده، فضربه عدة مرات.. وحاضر يسخر منه قائلاً:
- إنك لشديد أيّد حين قويت على شيخ مثلي تضربه، لا يقدر على المنع من نفسه ولا الانتصار لها.
انهزم المهدي وهو الحاكم أمام هذا المنطق القوي والثبات العجيب، ولما صرف حاضراً من مجلسه قال للربيع وزيره:
ـ أما ترى قلّة خوفه وشدّة قلبه؟ هكذا يكون والله أهل البصائر.

(10)
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم

بهن فلول من قراع الكتائب

تلك النجوم الزاهرة لو لم تكن قرب شموس قادتهم من أهل البيت لطغى نورها على كل شيء، فخرهم أنهم عاشوا قرب الأئمة، وتحت ظلّهم، فهل كان يتوقع أن ينظر الناس إلى فضائل حمزة، وقد طلع عليهم كوكب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ؟ أم يستضيئون بنجم زرارة وشمس الصادق (عليه السلام) في رائعة النهار؟.
وهكذا لا عيب فيهم! سوى أنهم كانوا قرب أهل البيت (عليهم السلام)، فتضاءلت صفاتهم وشخصياتهم ـ وهي كبيرة ـ أمام عظمة أهل البيت.
ولو فرضنا أنهم ـ بهذه الشخصيات - كانوا جنب نظرائهم من سائر الناس، لبان تفوقهم، بل أنك اليوم وأنت تنظر إلى سيرة حياتهم لا تستطيع أن تضع إلى جنبهم من معاصريهم أحداً ممن لم يتأثر بمدرسة أهل البيت.
هل تجد كحمزة أسد الله وأسد رسوله؟!.
أم كصعصعة بن صوحان الخطيب المتدفق؟.
أم كسعيد بن جبير سيد الفقهاء؟!.
أم...؟.
وتتبع قافلة النور.
والذي حدث أن كثيرا ممن جاؤوا تتبعوا سيرة أهل البيت (عليهم السلام) تلك السيرة اللامتناهية في العلم، والصفات الأخلاقية المتميزة، وحسناً فعلوا، فقد ارتشفوا من حوض كوثرهم، ما استطاعوا.
ولكن بقي في هذه الأثناء.. سيرة أصحابهم ومن كان حولهم، فقد وقعت هذه الشخصيات في حياتها تحت ظلال أهل البيت أثناء حياتهم، وبعد وفاتهم أيضاً لم يلقوا الاهتمام المطلوب.
إن رجلاً مثل أبي حنيفة النعمان يصبح محور اهتمام فرقة غير قليلة من المسلمين ـ أتباعه ـ فتؤخذ فتواه وتشرح أفكاره، وتؤرخ العديد من الكتب حياته بينما لا يزيد شيئا على مستوى مؤمن الطاق محمد بن النعمان رضوان الله عليه الذي يبقى ذكره وتاريخ حياته ضائعاً في الكتب الرجالية بين ألوف الرواة ورجال المسانيد. وأن مثل أبي يوسف يصبح قاضي القضاة في حياته وتدرس شخصيته بعديد من الكتب بعد وفاته، بينما تجد عالماً أفضل منه هو محمد بن مسلم الطائفي، يقصى في حياته عن مواقع الإدارة والسلطة وهذا طبيعي من أربابها، إذ الإقصاء أدنى ضرائب الانتماء الرسالي، ويبقى مجهولاً بعد وفاته، إلاّ من مراجعة الفقهاء والمحدثين لرواياته عن المعصومين (عليهم السلام) .

(11)
سوف تجد في سيرة هؤلاء الرجال تاريخ الإسلام في مراحله المختلفة، وليس ذلك فقط لأن هؤلاء الرجال في كنف أهل البيت، وشهدوا معهم مشاهدهم، ومعاركهم، وإنما – وأيضاً – لكونهم صناع أحداث ذلك التاريخ.
فأنت تجد في سيرة أبي طالب صورة عن بداية الرسول دعوته في مكة المكرمة، وجهاده وفي سيرة حمزة ستجد بالضرورة شرحاً عن واقعتي بدر الكبرى وأحد، وهكذا في سيرة حذيفة بن اليمان صورة عن معركة الخندق.
وهكذا الأمر في تطور الأحداث بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فعند الحديث عن حياة مالك بن نويرة اليربوعي ستلتقي بتحليل تاريخي لما جرى بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وما فعله خالد بن الوليد، ويكتمل ذلك التحليل بالنظر إلى سيرة خالد بن سعيد بن العاص، ولما كان محمد ابن أبي بكر ربيب أمير المؤمنين علي (عليه السلام) في معمعة الثورة التي قام بها المسلمون ضد الخليفة الثالث، كان لابد من التعرض إلى خلفيات ذلك الحدث بشكل تفصيلي، عند الحديث عن سيرة محمد ابن أبي بكر.
وبالرغم من قصر المدة التي حكم فيها أمير المؤمنين (عليه السلام)، إلا أنها كانت حبلى بالأحداث والمشاكل ومعارك التمرّد التي قام بها الناكثون والقاسطون والمارقون في الجمل وصفين والنهروان، تلك المعارك التي بقدر ما أبرزت سوءات أعداء أمير المؤمنين، أظهرت فداء أصحابه، وإيثارهم، تجد تاريخاً لتلك المعارك من خلال بطولات رجالها أمثال صعصة بن صوحان العبدي.
وعندما تقرأ سيرة مسلم بن عقيل تجد فيها شرحاً لوضعية المجتمع الكوفي وكيف استطاع ابن زياد السيطرة عليه بعد أن جاء من البصرة، كما يظهر الدور السيىء الذي مارسه الطابور الخامس الذي يعمد إلى الثورة وقد آن أوانها فيجهضها ويقضي على الجهود التي بذلت لإنجاحها.. وتتعرف من خلال ذلك على مقدمات الثورة الحسينية التي ستلتقي مع عدد من أبطالها.. تجد بينهم الحر الرياحي الذي خرج من قفص الاستعباد إلى حرية الاستشهاد، واستطاع أن يرسم لنفسه مجداً في الخالدين، وتجد بينهم جون مولى أبي ذرّ الغفاري، الذي أسقط (أحرار) المعسكر الآخر نسباًو(عبيده) موقفاً أمام الحجة البالغة يوم القيامة، وتلتقي أيضاً بحبيب بن مظاهر الأسدي الشيخ الكهل الذي يقاتل بروح الشباب وحماس الأحداث.
وأخيراً تلتقي مع قمر العشيرة أبي الفضل العباس، وتلحظ التنوع في هؤلاء الأصحاب فمن(مولى) إلى (شيخ عشيرة) ومن (طاعن في السن) إلى (شاب هاشمي) وهكذا.. لتقرأ في حياتهم سيرة البطولة والشهادة وواقعة كربلاء.
ولا أطيل عليك عزيزي القارىء.. سأتركك تتعرف على التاريخ من خلال أبطاله.
وفي الختام
وأخيراً لعلّك تسأل عزيزي القارىء-: على أي أساس تم انتخاب هؤلاء؟! هل بسبب كونهم حواريين للمعصومين؟! أو لأن أدوارهم التاريخية كانت على غاية من الأهمية؟! أو غير ذلك..
وفي الواقع إن الأساس لانتخابهم كان لأنهم (رجال) ولأنهم (حول أهل البيت) ثم تأتي بقية العوامل كأن يكون للشخص دور تاريخي، سواء في ساحة المعركة، أو ميدان العلم أو في مضمار المواقف الثورية الشجاعة، أو في مستبق الانتماء والولاء لخط الرسالة والإمامة. وربما تجد في مجموع حياة الرجال الذين تم انتخابهم صورة ما عن حياة المعصوم الذين تحلقوا حوله.
لا يفوتني هنا أن أنبه القارئ المحترم إلى أن بعض هؤلاء الرجال، عاصروا أكثر من معصوم وأخذوا عنه ورووا حديثه.. في تاريخنا لحياة هؤلاء كنا غير مقيدين بأن ننسبهم لحياة المعصوم الأول أو الأخير، بل ربما تحدثنا عنهم كأصحاب للمتوسط، وإن كنا لم نهمل الفصل الأخير من حياتهم. فمثلاً عبد الله بن جعفر الطيار رأى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وعاش في بيت أمير المؤمنين (عليه السلام) و شهد مواقف الحسن (عليه السلام)، و قدم ابنيه في ركاب الحسين شهداء، و توفي أيام زين العابدين (عليه السلام). فهو يحسب من أصحابهم جميعاً إلا أننا أرّخنا حياته كأحد رجال الإمام الحسن(عليه السلام) و هكذا الحال في زرارة بن أعين الذي تتلمذ على يد الباقر و الصادق (عليه السلام) و يونس بن عبد الرحمان الذي لقي ثلاثة من الأئمة.


موجز عن حياة رسول الله
محمّد بن عبد الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أبو القاسم (المصطفى)
ولد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في عام الفيل أي سنة (570) للميلاد، و قد توفي والده عبد الله قبل ولادته و توفي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) سنة (11) للهجرة.
نشأ في قبيلة بني سعد، حيث احتضنته حليمة السعدية لإرضاعه و بقي هناك لمدة خمس سنوات، عاد بعدها إلى مكّة، و ذهب مع أمّه آمنة لزيارة قبر والده، و في طريق العودة فقد أمّه حيث توفيت في منطقة الأبواء.
كفله جدّه عبد المطلب، و كان يرى فيه النبي الذي سيبعث، إذ كان النبي و آباؤه على الحنيفية و في الثامنة من عمر الرسول توفي جده عبد المطلب، فكفله بعدها عمه أبو طالب.
كان (محمد الأمين) يعمل في رعي الغنم، ثم عمل بالتجارة، حيث طلبت منه خديجة بنت خويلد أن يعمل بأموالها على طريقة ما يعرف اليوم بالمضاربة. و كانت تلك الرحلة التجارية له للشام مربحة كثيراً لخديجة و له.. و لما عاد غلمان خديجة، وأخبروها بما رأوا منه من كرامات، وصفات فاضلة فزاد عزم خديجة على الاقتران به، وأرسلت من يذكرها عنده، و تم الزواج بعدئذ. في حين في حين أنها رفضت عروض القرشيين الأغنياء.
في سن الأربعين من عمره الشريف، وحين كان يتعبد الله ـ على عادته - في غار حراء في مكة المكرمة، نزل عليه الوحي، بعد سلسلة مقدمات تمت لمدة طويلة، و لم يفاجأ ببعثه، كما يدعي البعض من المؤرخين، و كان نزول الأمين جبرئيل عليه بأول آيات القرآن الكريم إيذاناً ببعثه للناس جميعا.
بدأ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) يدعو الناس في مكة المكرمة سرّاً و كان أول من آمن به علي بن أبي طالب وخديجة زوجته ثم كثر المؤمنون بدعوته، و استمر ذلك لمدة ثلاث سنوات.
بعد هذه السنوات أمر الرسول بالإنذار العام و الإعراض عن المشركين، فنادى في قريش بعد أن صعد على جبل الصفا واصباحاه. فاجتمعوا إليه، فسألهم: أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا قد دهمتكم وراء هذا السفح أكنتم مصدقي؟! قالوا: بلى، ما جربنا عليك كذبا.. فقال: فإني لكم نذير بين يدي عذاب أليم..
و مع هذه المرحلة تصاعد الأذى و العذاب من قبل القرشيين للمؤمنين خصوصا من كان منهم لا يملك دفعاً كالعبيد و الفقراء.
شددت قريش حصارها الاقتصادي و مقاطعتها الاجتماعية للرسول و المؤمنين به بعدما فشلت في ردع المؤمنين عن الالتزام بدعوة الرسول، و فشلت في الضغط على الرسول أو ترغيبه، فحوصر المسلمون في شعب أبي طالب، و اشتدّ بهم الضر، حتى لقد أكلوا أوراق الشجر بسبب قلة الطعام.
في السنة الثامنة للبعثة توفي أبو طالب كافل النبي و حاميه، و بعد أشهر توفيت زوجته السيدة خديجة، فكان لتلك أعظم الأثر في نفس النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وسمي ذلك العام: عام الحزن. و بعد وفاة أبي طالب لم يجد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من يحميه في مكة فخرج إلى الطائف ليدعو أهلها. و لكنه لم يجد منهم سوى التكذيب و الأذى.
هاجر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد ذلك إلى المدينة، بينما بات أمير المؤمنين على فراشه. وكان نائبا عنه في أداء الودائع و أخبر القرشيين أنه خارج للمدينة بعد ثلاثة أيام. و كان أعنف تحد تتلقاه قريش من قبل رجل واحد حيث سيخرج بالرغم من إرادتها.
في المدينة بدأ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) خطواته لإنشاء المجتمع الإسلامي القوي القائم على أساس الدين، فآخى بين المسلمين، و بدأ يجهز السرايا لاستنقاذ أموال المسلمين من قوافل قريش، و لتأديب الأعراب أطراف المدينة..
على أثر مطاردة سرية للمسلمين لقافلة تجارية لقريش عزمت قريش على حرب المسلمين، فجهزت جيشا قوامه قرابة الألف مقاتل، بينما جهز المسلمون جيشا قوامه (313) مقاتلا، و اشتبك الجيشان في (بدر)، حيث الغلبة لله و لرسوله، و غادر المشركون مخلفين وراءهم جثث (70) قتيلا، و عاد المسلمون بيدهم سبعين أسيرا..
لم تبلع قريش لقمة هزيمتها، حتى عادت مرة أخرى و جمعت مقاتليها لتشتبك مع المسلمين في (أحد) و كانت رياح النصر تجري لصالح المسلمين، إلاّ أن الرماة فوق الجبل من المسلمين، عصوا أمر الرسول فتركوا مواقعهم و استغل المشركون الفرصة، وانقلبت الكفة آنئذٍ، فهزم المسلمون. وقتل في هذه المعركة عدد من خلّص أصحاب الرسول و شجعانهم.
استمرت المواجهات بين المسلمين وبين أعدائهم، فقد قام الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بإخراج اليهود من المدينة، ولغرض إنهاء الوجود الإسلامي فقد تحالفت قريش مع سائر العرب، ومن ورائهم اليهود ضد المسلمين، وتحزبوا لغزو المدينة، فكانت معركة الخندق، التي انتهت بنصر المسلمين، ثم كانت معركة (خيبر) التي أدّت إلى إخراج شوكة اليهود من جسم المدينة. وبعدها كانت غزوة مؤتة ضد جيوش الروم.
أخبر الرسول المسلمين بالاستعداد للذهاب إلى مكة، وقد أخفى خروجه لكيلا يصل الخبر إلى أهل مكة فيتهيئوا لذلك.. وبالفعل فقد فاجأ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) أهل مكة حيث لم يستطيعوا المواجهة، واستطاع رسول الله أن يدخل مع المسلمين مكة سلماً، وأن يفتحها، ويقضي بذلك على الموقع الديني للوثنية في الجزيرة العربية. وأعلن عن خطوات كانت بمثابة تفريغ قريش من عناصر مقاومتها حينما أعلن الأمان العام لأهل مكة.
بعد فتح مكة خضعت الجزيرة العربية للإسلام، وبدأ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، يبعث بموفديه إلى سائر البلاد، داعياً زعماءها إلى الإيمان برسالة الإسلام،
في السنة العاشرة من هجرة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وحينما كان النبي عائداً من الحج أوقف الجميع عند غدير خم، ونصب (علي بن أبي طالب) ولياً للمؤمنين، ووصياً، وخليفة له، وقد شهد ذلك الحدث عشرات الألوف من المسلمين الحجاج.
في السنة الحادية عشرة، لبّى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) نداء ربّه لقربه وتوفي في الثامن والعشرين من صفر، ودفن في المدينة المنورة.


رجال حول الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)
حمزة بن عبد المطلب
(أبو عمارة) وأبو يعلى
شهيد أحد سنة 3 هـ / العمر 59 سنة
«ما من يوم أشدّ على رسول الله من يوم أحد قتل فيه عمّه حمزة بن عبد المطلب أسد الله و أسد رسوله...»
الإمام السجاد (عليه السلام)
عاد من الصحراء ممتطياً صهوة فرسه.. يملأ العين إعجاباً والنفس إكباراً، والقلب هيبة، هذا الكهل الشجاع الذي تتحدث قريش عن رجولته وفروسيته.
عاد، تملأ الثقة إهابه، وقد توشح قوسه بعد رحلة قنص له، وفي الطريق تستوقفه مولاة لعبد الله بن جدعان:
ـ يا أبا عمارة!! يا أبا عمارة..
لو رأيت ما لقي ابن أخيك من أبي الحكم (أبي جهل) آنفاً قبيل وجده هنا فإذاه وشتمه وبلغ منه ما يكره، ثم انصرف عنه ولم يكلمه محمد.
تغيرت الدنيا في عينيه، أصبح يراها حمراء من الغضب، وزال ذلك الصفاء والانطلاق الذي عاد به من الصحراء، استنفرت فيه مروءته كل رجولته، لقد رأى أن تجاوز قريش بلغ حداً لا يحتمل، وأسرع في مسيره.. كان من عادته إذا رأى جماعة من الناس يقف ويسلّم عليهم ويطايبهم بالحديث، ولكنه هذه المرة لا يكاد يبصر من الغضب شيئاً، أنه يبحث عن أبي جهل لتأديبه.
ودخل المسجد، وكان أبو جهل جالساً مع نفر من قومه، وكان وجه حمزة ينذر بما لا يسّرهم، إلاّ أن خوفهم منه جمّدهم في أماكنهم فلم يستطع أحد منهم أن يتحرك من موضعه.
وتقدم.. وتقدم، ودون أن يسلم وقف بحذاء أبي جهل ورفع القوس، وأهوى بكل قوته على رأس أبي جهل، وانبعثت الدماء من رأسه.
لم تكن تلك الضربة قد أصابت رأس أبي جهل فقط، بل أسالت الدماء من رأس قريش. ولذلك قام من بني مخزوم من كان حاضراً ليعينوا أبا جهل وليردّوا هذه الإهانة عن قريش:
ـ ما نراك يا حمزة إلاّ قد صبأت؟.
وما يمنعني منه وقد استبان لي منه ذلك.. قال حمزة.. وأطلق قنبلته: وأنا أشهد أنه رسول لله وأن الذي يقول حق فو الله لا أنزع فامنعوني إن كنتم صادقين.
نسي الجميع شجة أبي جهل، والإهانة الكبرى التي لحقت به، وظلوا يرددون.. أحمزة يسلم؟! صياد الأسود، الفاتك الشجاع يصبح مع العبيد والضعفاء؟! حمزة.. أعز رجال قريش وأكثرها فتوة يتبع ابن أخيه لينكس رأسه راكعاً وساجداً؟!
***
ترى هل كان إسلامه صدفة؟ أم مجرد موقف أنشأته الحمية؟ وهل كان سيبقى مع جاهلية قريش لو لم يكن هذا الموقف؟! لا أظن ذلك، بل أعتقد بعدمه.
إن المواقف - خصوصاً العقيدية منها ـ لا تأتي من دون مخاض، لكن لما كان مخاضها في داخل الضمير، فإنه يبقى مجهولاً للآخرين، ولكنه يستمر إلى أن يستقر على ساحل، ويأتي ظرف خارجي في هذه الأثناء، كالذي حدث لحمزة، فيخرج ما أضمرته نفسه، ويكون مصدر استغراب لمن يتصوره خطوة مفاجئة.
حمزة الذي ينشأ في كنف أبيه عبد المطلب والذي كان على ملة إبراهيم وكان يقرأ الكتب ويوصي بنيه بنصرة النبي الذي سيخرج من صلبه، حمزة الذي يعيش مع ابن أخيه محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، إذ كان من أترابه سناً، فلا يرى منه خطلة في قول ولا زلة في فعل، ها هو يدعو إلى عبادة الله الواحد الأحد، وقد آمن به أخوه أبو طالب وابناه علي وجعفر فما الذي يمنعه؟..
أليس هو القائل أنه حين يذهب في عمق الصحراء، يدرك أن هذا الكون الرحيب لا يمكن أن تحيط به أصنام منحوتة من الحجر والنحاس معلقة في جوف الكعبة.. إن الصحراء بما فيها من صفاء وسكون تمنحه القدرة على التأمل الإيماني في المبدأ والمعاد مفعماً بالإيمان بخالق لهذا الكون أقوى وأقدر وأحكم وأكبر مما يتصوره هؤلاء الجاهليون.
من حينه توجه إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، الذي أكمل مسيرة الطمأنينة في نفسه، فذكره ووعظه وبشره فقال:
ـ أشهد أنك صادق شهادة الصدق العارف فأظهر يا ابن أخي دينك فو الله ما أحب أنّ لي ما أظلّته السماء وأني على ديني الأول. وأنشأ:
حمدت الله حين هدى فؤادي
إلى الإسلام والدين الحنيف

لدين جاء من رب عزيز
خبير بالعباد بهم لطيف

إذا تليت رسائله علينا
تحدر دمع ذي اللب الحصيف

رسائل جاء أحمد من هداها
بآياتمبينة الحروف

وأحمد مصطفى فينا مطاع
فلا تغشوه بالقول العنيف

فلا والله نسلمه لقوم
ولما نقض فيهم بالسيوف

وتترك منهم قتلى تباع
عليها الطير كالورد العكوف( )

ولما أسلم حمزة عرفت قريش أن رسول الله قد عزّ وامتنع وأن حمزة سيمنعه فكفّوا عن بعض ما كانوا ينالون منه.
***
- ما هم إلا أكلة رأس لو بعثنا إليهم عبيدنا لأخذوهم أخذا في اليد.. و صفق أبو جهل يديه بجذل و هو ينظر إلى قلّة عدد المسلمين في بدر.. و انطلق عمير بن وهب الجمحي على فرس له ثم رجع:
ـ ليس لهم كمين و لا مدد.. و لكن نواضح يثرب قد حملت الموت الناقع، أما ترونهم خرساً لا يتكلمون، يتلمظون تلمظ الأفاعي ما لهم ملجأ إلا سيوفهم، و ما أراهم يولون حتى يقتلوا و لا يقتلون حتى يقتلوا بعددهم فارتأوا رأيكم.
غضب أبو جهل من كلامه، و قال: كذبت و جبنت.
وذهبت أدراج الرياح محاولات عتبة بن ربيعة في منع الحرب:
يا معشر قريش أطيعوني اليوم و اعصوني الدهر إن محمداً له إلّ و ذمّة و هو ابن عمكم فخلوه والعرب، فإن يكن صادقاً فأنتم أعلى عينا به و إن يكن كاذبا كفتكم ذؤبان العرب أمره.
ورد أبو جهل مرّة أخرى، و قد طمع أن يحوز المسلمين باليد كما قال و على يد عبيده: جبنت و انتفخ سحرك!!.
كانت أول مواجهة عسكريّة بهذا المستوى بين المسلمين و الكفار و كان مطلع القصيدة فيها ضربة من حمزة أطنّ بها قدم الأسود المخزومي الذي (عاهد الله!) أن يشرب من الحوض أو يهدمنه أو يموت دونه!!
وقطعت هذه الضربة الهاشمية عليه الطريق، كما قطعت ساقه، و لما زحف اتبعه حمزة بأخرى كانت فيها نفسه.
المجد اليوم لبني هاشم، فسيدهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقود المعركة و يوجهها، و حمزة و علي يحصدان الرؤوس.
كانت قريش تحتاج إلى أن ترفع من معنوياتها، فقد كانت نواضح يثرب تحمل الموت، و ها هو الأسود المخزومي قد جرب حظه مع هذا الموت، و بدون ذلك فإن قريشا ستنهزم بدون قتال. لذلك برز منها كبار فرسانها: عتبة بن ربيعة، و أخوه شيبة، و ولده الوليد بن عتبة و طلبوا المبارزة، و لما خرج إليهم ثلاثة من الأنصار- قالوا:
ـ ما لنا بكم حاجة..
ـ يا محمد أخرج لنا أكفاءنا من قومنا.
ـ قم يا عبيدة بن الحارث، قم يا حمزة، قم يا علي.
ـ أكفاء كرام.
وبرز لعتبة عبيدة و هو أسن الثلاثة، و لشيبة حمزة، و علي للوليد..
فلم يمهل عليٌّ الوليد أن ضربه على رأسه حتى أوصل السيف لأضراسه. و كذلك قتل حمزة شيبة، بينما اختلف عبيدة و عتبة ضربتين أثبت كل واحد منهما صاحبه. فعطف حمزة و علي على عتبة فأجهزا عليه.
و أمر الرسول بالالتحام، وأخذ كفّاً من الحصى فرماه بوجوههم قائلاً: شدوا.. ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى و كان سيف حمزة يحصد في الرؤوس..
أراد أبو جهل أخذ المسلمين باليد بواسطة عبيدة، تصورهم أكلة رأس.. وأراد الله أن يذيقه الخزي على يد واحد من أضعف المسلمين لنسمع ما يقول عبد الله بن مسعود.
- انتهيت إلى أبي جهل وهو يتشحط بدمه، فقلت: الحمد لله الذي أخزاك.. فرفع رأسه وقال: إنما أخزى الله عبد ابن عبد ويلك لمن الدبرة؟!.
قلت: لله ولرسوله.. وإني قاتلك.. و وضعت رجلي على عنقه.
فقال: ارتقيت مرتقى صعباً يا رويعي( ) الغنم أما أنه ليس شيء أشد من قتلك إياي في هذا اليوم ألا يكون تولى قتلي رجل من المطلبيين أو رجل من الأحلاف.
فاقتلعت بيضة كانت على رأسه فقتلته وأخذت رأسه وجئت إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وقلت:
ـ يا رسول الله.. البشرى هذا رأس أبي جهل بن هشام فسجد لله شكراً.
وعاد المسلمون إلى المدينة فرحين بنصر الله، وقد قتلوا سادة قريش وأسروا سبعين من مقاتليها، وغنموا السلاح والكراع، وغنموا خيراً من ذلك القوة المعنوية والنصر الداخلي.
بينما فرّ من استطاع من القرشيين لا يلوي على شيء.. يعثر تارة في أجساد قادته وأخرى في أذيال خيبته، و وصلوا إلى مكة التي أقامت عزاءً عاماً صامتاً، فمن جهة دخل اليتم والثكل كل بيت قرشي فكانت الهزيمة والمصيبة في كل بيت، ومن جهة أخرى كانوا يريدون الانتقام والبكاء على القتلى والنوح من الممكن أن يمتص الغضب والثأر، لذلك حرموا البكاء على القتلى وبدؤوا يستعدون لمعركة الثأر.
وإذا كان أبو جهل مسعر الحرب الأولى، فإن (هند) كانت هذه المرة، لولب الحركة العسكرية، لقد قتل في بدر أبوها عتبة، وعمها شيبة وأخوها الوليد، وكلهم قتلوا بيد بني هاشم: عبيدة وعلي وحمزة.
وكان الهدف قتل واحد من الثلاثة: الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) أو حمزة، أو علي، لهذا وعدت (وحشياً) وهو عبد أسود يقذف بالحربة على طريقة الأحباش بما لا يخطر على باله، حريته، وعقودها و قلائدها من الذهب.. إن قتل أحد الثلاثة.
ولعقت قريش جراحها، ولملمت قوتها وجمعت إليها الأحابيش وخرجت في ثلاثة آلاف معهم مائتا فرس، ويقود هذا الجمع أبو سفيان، بينما كان على ميمنتهم خالد بن الوليد وعلى الميسرة عكرمة ابن أبي جهل.
بينما خرج الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) معه سبعمائة رجل.
ولما التقى الناس ودنا بعضهم من بعض قامت هند بنت عتبة (زوجة أبي سفيان) في النسوة اللاتي معها، وأخذن الدفوف يضربن بها خلف الرجال ويحرضنهم فقالت هند فيما ه وشتمه وبلغ منه م?رق
إن تقبلوا نعانق

ونفرش النمارق
أو تدبروا نفارق
فراق غير وامق

فاقتتل الناس حتى حميت الحرب وقاتل أبو دجانة سماك بن خرشة حتى أمعن في العدو، وحمزة وعلي بن أبي طالب في رجال من المسلمين فأنزل الله نصره وصدقهم وعده فحسوهم بالسيف حتى كشفوهم وكانت الهزيمة لا يشك فيها( )...
وأخذ المسلمون في أثر المشركين يضربون وجوههم وأدبارهم وأولئك ينهزمون تاركين سيوفهم وخيولهم ومتاعهم. وتسابق المسلمون لجمع الغنائم، ومالت الرماة تاركين الجبل مخلفين أوامر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وراء ظهورهم، منحازين عن قائدهم عبد الله بن جبير الذي حاول عبثاً أن يثنيهم..
ساعة.. إذ تغير الموقف واستطاع خالد بن الوليد بمن معه من الخيل أن يحتلوا مواقع المسلمين في الجبل. ويباغتوهم من الخلف وكانت فرصة كافية لجيش قريش أن يلتئموا من جديد.
وفر من المسلمين من فرّ ومنهم عثمان بن عفان حتى بلغوا (الجلعب) جبلاً بناحية المدينة فأقاموا به ثلاثة أيام!! ثم رجعوا إلى رسول الله فقال لهم: لقد ذهبتم فيها عريضة( )!!
ولم يبق مع رسول الله غير عشرة..
كل هذا ووحشي يترقب، فرصة تمكنه من أحد أهدافه أما الرسول: فكان محاطاً بأصحابه وأما علي فكثير الالتفاف، بقي حمزة، الذي كان لا يمر بأحد إلاّ قطعه بسيفه.. لنسمع منه بقية ما حدث.
«والله إني لأنظر إلى حمزة يهد الناس بسيفه ما يليق (يبقي) شيئاً مثل الجمل الأورق إذ تقدمني إليه سباع بن عبد العزى فقال له حمزة: هلّم إليّ يا ابن مقطعة البظور فضربه فكأن ما أخطأ رأسه وهززت حربتي حتى إذا رضيت منها ذففتها عليه حتى وقعت في ثنته( ) حتى خرجت من بين رجليه، وأقبل فقلب فأمهلته حتى إذا مات جئت إليه فأخذت حربتي وتنحيت إلى العسكر ولم يكن لي بشيء حاجة غيره( ).
كانت الهزيمة مؤلمة، لأنها لم تكن لتحصل لولا مخالفة الرماة أوامر الرسول، وكانت مؤلمة أكثر لأنها أفقدت الرسول، أسد الله وأسد رسوله حمزة سيد الشهداء.. وماذا يضر أليس حمزة من أولئك الذين خلقوا للبطولة وللشهادة بالتالي؟! أليس هو أحد المعنيين بقول الشاعر:
ولسنا على الأعقاب تدمى كلومنا

ولكن على أقدامنا تقطر الدما

كل ذلك صحيح ولكن ما فعل بجسد حمزة أثار في رسول الله غضباً حزيناً..
ها هي هند بعد أن وضعت الحرب أوزارها تتقدمها الشماتة والحقد تركض إلى مصرع حمزة يقودها وحشي، فمثلت به وجدعت أنفه وقطعت أذنيه ثم جعلت ذلك كالسوار في يديها، ثم بقرت بطنه واستخرجت كبده فلاكتها فلم تستطع أن تسيغها فلفظتها.
ولم يكن زوجها أقل حقداً منها و وحشية فقد جاء إلى مصرع حمزة وضرب برمحه بين أسنان حمزة (عليه السلام) قائلاً: ذق عقق.. ولما أنكر عليه ذلك من كان معه طلب منه أن يستر عليه!!.
وعاد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد أن صلّى على حمزة اثنتين وسبعين صلاة، إذ بدأ بالصلاة عليه ثم صاروا يأتون بالشهداء فيضعونهم إلى جانبه فيصلي عليه وعليهم.
عاد وفي قلبه نبع فياض من الحزن على حمزة، حتى قال حفيده الإمام السجاد (عليه السلام) بعد سنوات ما من يوم كان أشد على رسول الله من يوم أُحد قتل فيه عمه حمزة سيد الشهداء..
ومرّ على دور الأنصار فسمع بكاء نسائهم على قتلاهن وشهدائهن وجاش الألم في قلب الرسول على حمزة قائلاً:
لكن حمزة لا بواكي له.
ومواساة من الأنصار للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في عمه حمزة، أمروا نساءهم أن يبكين حمزة، فكنّ يبدأن بذكر حمزة إذا أردن النياحة على شهدائهن.
ويظل وسام (أسد الله وأسد رسوله) يستبق مع وسام: «رحمة الله عليك، فإنك ما علمت وصولاً للرحم فعولاً للخيرات».

أبو عبد الله جعفر ابن أبي طالب (الطيار)
توفي شهيداً في مؤتة سنة 8 هــ
«.. ورأيت جعفراً ملكاً ذا جناحين مضرجاً بالدماء مصبوغ القوادم..».
رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).
البهو واسع يغمر الناظر بالهيبة.. صور وأيقونات تمثل السيد المسيح وأمه العذراء  تنتشر بنظام على جدران ذلك البهو، فتزيده سكينة وهيبة.
أينما قلّبت طرفك في أرجائه تجد شكل الصليب، محفوراً على الأعمدة ومنحوتاً في الرخام ومرسوماً على خشب الساج.
ينتهي ذلك البهو إلى مقاعد يتوسطها عرش الملك..
إننا في الحبشة، في بلاط الملك العادل النجاشي، واليوم سيشهد هذا البلاط حلقة مهمة من حلقات الصراع بين الإسلام والوثنية.
في الخارج جلبة وأصوات.. ترى من جاء؟! النجاشي؟! كلا ليس بعد.. فالداخلون لم يكونوا غير وزرائه والأساقفة، وبدا في الخلف رجلان يلبسان لباس الأعراب.
دفعة أخرى من الداخلين، بعد أن استقر بالأولين مجلسهم دخلوا بلا ضجيج في صفوف منتظمة، ووقفوا في أحد جوانب البهو الواسع.. يقودهم رجل في الثلاثينات من العمر. مهيب الطلعة، أنور الوجه، وبالرغم من أن السفر الذي قطعه كان متعباً إلا أنه لم ينل من إشراقة وجهه.. إنه جعفر ابن أبي طالب!.
جاء النجاشي.. وأخذ الجميع وضع الاستعداد لاستقباله، ودخل بينما انحنى الوزراء والأساقفة تحية للملك، وتقلصت قامة عمرو بن العاص وصاحبه، وبالغا في الإنحناء... لا يهم عند عمرو أي نوع تكون الوسيلة مادامت ستوصله إلى غايته، ويتبسم بخبث قائلاً لصاحبه:
_ سنرى كيف تنحني هذه الرقاب غداً..
_ ألا تركعون لنبيكم؟! سأل النجاشي جعفرا والمسلمين.
_ نحن لا نركع لغير الله وحده... أجاب جعفر.
بقدر ما كان جعفر مطمئناً بنصر الله كان المسلمون السبعة والثمانون قلقين.. ذلك أنهم ما كادوا يتركون مكة مهاجرين ناجين بدينهم من فتنة قريش وببدنهم من إذاها، وما كادوا يتنفسون الصعداء في بلاد الحبشة حتى استنفرت قريش كل طاقتها لإعادة هؤلاء المهاجرين لكيلا تكون أمل المعذبين في مكة. ولذلك أرسلت قريش عمراً بن العاص داهيتها لإرجاعهم، ولم ينس هذا الأخير أن يحمل الهدايا الكثير والثمين ويوزعها على الوزراء والأساقفة ويحتفظ للملك بالهدية الكبرى.. لقد كان عمرو واثقاً أن رقاب المسلمين ستنحني غداً في القيد بعد أن تكون الهدايا قد آتت أُكُلها.
وكانت قلوب المهاجرين من الضعفاء في رجل طائر، إذ كلما يمر في ذاكرتهم حديث المكاوي، والسياط، والتجويع والتعطيش يزداد وجيب قلوبهم، ويتفصد العرق في الوجوه كجمرٍ.
لذلك كان الموقف حاسماً، كلمة تزيد أو أخرى تنقص، من الممكن أن ترسل هؤلاء المهاجرين إلى الهاوية القرشية... منهم من كان يفضل مجاملة النجاشي والأساقفة في دينهم حتى تمر الغمامة السوداء بسلام، غير أن جعفراً الذي كان شبيه الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) خلقاً وأخلاقاًَ، لم يشأ أن يعالج الموقف بتلك الصورة، فقد ملأ اليقين قلبه بصدق الرسول وأن الله منجز له ما وعده، ومنذ ذلك اليوم الذي أمره أبوه أبو طالب بالإيمان بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، حين كان يصلي معه علي أخوه وخديجة، قائلاً: صل جناح ابن عمك..
منذ ذلك اليوم وهو يمتلئ إيماناً بأن الله سيظهر هذا الدين على الدين كله.. لذلك وجد الصدق منجاة ولم يقبل أن يتحدث بغير الواقع.. واستطاع بموقفه الشجاع أن يرد الاطمئنان إلى نفوس أولئك المهاجرين.
لم يقطع الصمت السائد إلاّ كلام عمرو بن العاص..
_ أيها الملك.. أنه قد ضوى (أوى) إلى بلدك منا غلمان سفهاء فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينك وجاؤوا بدين ابتدعوه لا نعرفه نحن ولا أنت وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم لتردهم عليهم فهم أعلى بهم عيناً وأعلم بما عابوا عليهم وعاتبوهم فيه.
_ يا عمرو أعبيدٌ هم لكم؟! سأل النجاشي.
_ كلا.
_ هل لكم عليهم دَين؟!.
_ كلا..
والتفت إلى جعفر قائد مجموعة المهاجرين:-
_ ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم ولم تدخلوا في ديني ولا دين أحد من هذه الملل؟!.
وانتصب جعفر كالسيف، وانطلق متحدثاً عن الحالة التي كانت عليها العرب، والتغيير الذي جاءت به رسالة الإسلام، وأفرغ عن معدن البلاغة الهاشمية مرتجلاً:
«كنا قوماً أهل جاهلية، نعبد الأصنام ونأكل الميتة ونأتي الفواحش وتقطع الأرحام ونسيء الجوار ويأكل القوي منّا الضعيف حتى بعث الله إلينا رسولاً منّا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من الحجارة والأوثان وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش وقول الزور وأكل مال اليتيم وقذف المحصنات، فصدقناه وآمنا به واتبعناه على ما جاءه من ربه فعبدنا الله وحده ولم نشرك به شيئاً وحرّمنا ما حرّم علينا، وأحللنا ما أحل لنا فعدا علينا قومنا فعذبونا وفتنونا عن ديننا ليردوننا إلى عبادة الأوثان وإلى ما كنّا عليه من الخبائث.
فلما قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا وحالوا بيننا وبين ديننا، خرجنا إلى بلادك ورغبنا في جوارك ورجونا ألا نظلم عندك».
أُخذ النجاشي وأساقفته، بل وعمرو بقدرة جعفر وبلاغته، فهو إضافة إلى سيطرته على الموقف حول ذلك المجلس إلى مكان دعوة وتبليغ لرسالة الإسلام، ولم يكن عمرو يتوقع هذه القدرة الفائقة التي سيطر بها جعفر على أحاسيس الملك، وكان يحب أن لا يستمع الملك، وكان يحب أن لا يستمع إلى كلامهم فضلاً عن الكلام الذي جاء بهم (محمد).
وتأثر النجاشي أكثر عندما أخبره جعفر أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أمرهم بالمجيء إلى الحبشة لأن ملكها عادل ولا يظلم عنده أحد.
_ هل معك شيء مما جاء به نبيكم؟! سأل النجاشي.
_ نعم.
_ هلّم فاتل عليّ ما جاء به.
وابتدأ جعفر يتلو في خشوع من سورة مريم.
﴿كهيعص  ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا  إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاء خَفِيًّا  قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا  وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا  يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا  يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا....
لقد كان كل شيء موظفاً لأداء التأثير المطلوب وهذا ما حدث.
فالجو كان جو دفاع مظلومين عن أنفسهم ودينهم، وجعفر بقدرته الهاشمية في الخطابة، وأخيراً انتخابه لآيات من سورة مريم كانت تدق على الوتر الحساس لدى النجاشي وأساقفته المسيحيين، فلو أن جعفر قد اختار سورة أخرى ربما لم تؤثر في نفوسهم أثر سورة مريم.. وأهم من كل ذلك نفس الأثر الذي يخلفه القرآن في نفوس سامعيه، فلو كان جبلاً لرأيته خاشعاً متصدعاً..
وخشعت القلوب، وفاضت الأعين مما عرفوا من الحق.
وقام النجاشي إعظاماً لهذا الكلام ثم التفت إلى جعفر والمسلمين معه:
_ إن هذا والذي جاء به عيسى يصدر من مشكاة واحدة، وانطلقوا راشدين فو الله لا أسلمكم إليهما.
وتعانق المسلمون وكان عيد نصر حقيقي صنعه جعفر، وأترعت نفس عمرو بحقدها، ولم يكن ليتنازل بهذه السرعة، وحاول مرة أخرى أن «يأتي النجاشي بما يستأصل خضراءهم» لكن يد الله كانت معهم، فعاد إلى قريش يعثر بأذيال خيبته، ولم يحصد غير فقدان صداقة النجاشي، وخسران هداياه للأساقفة.
وخرج جعفر والمهاجرون من ذلك المجلس لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، واستمروا في حياتهم ينتظرون خبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).

في تلك الأثناء كانت دعوة الإسلام تتقدم من فتح إلى آخر، ولكن أهم فتوحها كان هجرة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى المدينة، تلك الهجرة التي فتحت تاريخاً جديداً في الجزيرة العربية، وأصبحت المدينة مركز النواة الأولى لدولة الإسلام الكبرى، منها ينتشر الوعي والمعرفة، وهكذا تحولت من (يثرب) المرض والجو الفاسد إلى (طيبة) ولم يكن هذا التحول في الاسم فقط، بل إن الروح التي نفخها الرسول في المسلمين حوّلت هذه المنطقة إلى نموذج.
ولم يكن متوقعاً أن يسكت كفار قريش عن هذه التجربة، فقد كان وجودها تحدياً وجودياً صارخاً لوجود قريش، واستمرارها يعني هزيمة قريش في مقاومتها. لذلك كان همّ عتاتها القضاء على هذا الوجود.. فكانت (بدر الصغرى) و(الكبرى) شربت قريش كأس مرارة الهزيمة العسكرية حتى الثمالة على يد الحفاة المجردين عن السلاح، ورجعت راغمة بعد أن خلفت وراءها سبعين جثة من (عظامها) ومثلهم من الأسرى.. وكررت التجربة في (أُحد) ولم تسلم من مصير (بدر) إلاّ بشق الأنفس.
ودخلت السنة السابعة وكان النبي قد أنهى لتوّه غزوة خيبر، الأكثر أهمية بعد بدر، واستطاع أن ينهي أسطورة اليهود، وأن يستأصل سرطانهم الذي كان يفتك بأهل المدينة من حيث سيطرتهم على المال وسوء استغلاله.
وكما كان نصر الحبشة على يد جعفر ابن أبي طالب، فقد كان فتح خيبر على يد أخيه علي بن أبي طالب فقد ضيّق المسلمون الحصار على حصون خيبر واليهود يستميتون في الدفاع إيماناً منهم بأن هزيمتهم أمام محمد هي القضاء الأخير على بني إسرائيل في بلاد العرب وتتابعت الأيام فبعث الرسول أبا بكر إلى حصن ناعم كي يفتحه، فقاتل ورجع دون أن يفتح الحصن، وبعث الرسول عمر بن الخطاب في الغداة فكان حظه كحظ أبي بكر فما لبث أن رجع منهزماً يجبّن أصحابه ويجبّنه أصحابه، وعندها قال الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم): لأعطيّن الراية غداً رجلاً يحبّ الله ورسوله ويحبه الله ورسوله يفتح الله على يديه كرّار ليس بفرار.. وهكذا:
يوم قال النبي إنيلأعطي
رايتي ليثها وحامي حماها

فاستطالت أعناق كل فريق
ليروا أي ماجد يعطاها

فدعا ابن صاحب العلم والحـ
لم مجير الأيام من بلواها

فأتاه الوصي أرمـد عين
فسقاه من ريقه فشفاها

ومضى يطلب الصفوف فولّت
عنه علماً بأنه أمضاها

وبرى مرحباً بكف اقتـدار
أقوياء الأقدار من ضعفاه

فخرج علي بها والله يصول ويهرول هرولة وإنّا لخلفه نتبع أثره حتى ركز رايته في رضم حجارة تحت الحصن، فاطلع يهودي من رأس الحصن فقال: من أنت؟!
قال: أنا علي بن أبي طالب. فقال اليهودي لقومه: غلبتم وما أنزل على موسى.
وخرج مرحب صاحب الحصن وعليه مغفر يماني وحجر قد ثقبه مثل البيضة على رأسه وهو يرتجز ويقول:
قد علمت خيبر إني مرحب

شاكي السلاح بطل مجــرّب

إذا الليوث أقبلت تلهب


وأحجمت عن صولة المـغلب

فأجابه علي بن أبي طالب:
أنا الذي سمتني أمي حيدرة

كليث غابات شديد القســورة

فاختلفا ضربتين فبدره علي بضربة فقدّ الحجر والمغفر ورأسه ووقع في الأضراس.
ولما دنا من الحصن خرج إليه أهله فقاتلهم فضربه رجل منهم فطرح ترسه من يده فتناول علي باب الحصن فترّس به عن نفسه فلم يزل في يده حتى فتح الله عليه وطرحه لكي يصير المسلمون إلى داخل الحصن.
قال جابر بن عبد الله إن عليّاً حمل الباب يوم خيبر حتى صعد المسلمون عليه فافتتحوها وأنه جرب بعد ذلك فلم يحمله أربعون رجلاً.( )
وهكذا فتحت حصون اليهود الستة: السلالم والقموص والنطاة والقصارة والشق والمربطة وفيها عشرون ألف مقاتل ففتحها حصناً حصناً فقتل المقاتلة وسبى الذرية.
فتح خيبر الذي كان بهذه الأهمية، يوازيه عند الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) قدوم جعفر ابن أبي طالب، فما أن وصل جعفر وأخبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بذلك حتى قام إليه واعتنقه وقبّل مابين عينيه، وقال:
_ لا أدري بأيّهما أسر.. بفتح خيبر أم بقدوم جعفر.
ثم التفت إلى جعفر، قائلاً له: ألا أعطيك؟ ألا أحبوك؟! وظنّ الجالسون أنه يريد أن يمنحه هدية مالية، من ذهب خيبر أو غيره فعلمه الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) الصلاة المعروفة بصلاة جعفر.
واستبشر المساكين خيراً فقد جاء إلى المدينة (أبو المساكين)، وخاض غمار الحياة الإسلامية، بما عرف عنه من جدية وحرص على الدين، وبما يملك من كفاءات، فلم يكن مشهد. من مشاهد الرسول أو مغازيه يخلو من (الطيار). لقد بهض النبيَّ قتلُ حمزة في (أُحد) ولكن وجود أمير المؤمنين علي (عليه السلام) ووجود أخيه جعفر فيما بعد خفف وطأة ذلك عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).

وبعد القضاء على اليهود في المدينة، وكسر شوكة قريش وحلفائها في (الخندق)، انطلقت قوافل الدعاة تنشر الوعي والمعرفة حاملة كتاب الله، داعية إلى توحيده، في أنحاء الجزيرة العربية وخارجها.
وإلى بصرى في الشام بعث الحرث بن عمير الأزدي. والذي أخد يجد السير حتى وصل إلى مؤتة، حيث تعرض له شرحبيل الغساني عامل هرقل، وسأله: أين يريد؟! فقال الشام.
فقال له: لعلّك من رسل محمد!! قال نعم.. فأوثقه رباطاً ثم قدمه وضرب عنقه.. ولم تكن الرسل تقتل آنئذٍ.
وإذا كان المسلم لا يبالي على أي جنبيه وقع على الموت، لأن مآله إلى الجنة، إلاّ أن هذا العمل كان تحديّاً سافراً لاعتبار المسلمين ومخالفة صريحة لكل الأعراف.. لذلك كان له وقع شديد على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والمسلمين، فأرسل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ثلاثة آلاف من المسلمين لقتال ذلك الوالي.
وسبقت أخبار تلك القوة المرسلة إلى شرحبيل الذي أوصلها بدوره إلى هرقل، وكانت الفرصة التي ينتظرها الروم فعبأوا مائة ألف من مقاتليهم. ووجهوها لقتال المسلمين، الذين وصلتهم أخبار هذه الحشود فأقاموا يتبادلون الرأي بين المضي والرجوع أو الكتابة للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إما أن يمدهم بالرجال أو يأمرهم بالرجوع، وكاد هذا الرأي يتغلب، إلاّ أن أحد قادة الجيش وهو عبد الله بن رواحة وقف فيهم:
_ يا قوم.. والله انا لم نكن نقاتل الناس بعدد وكثرة بل نقاتل بهذا الدين الذي أكرمنا الله به فإنما هي إحدى الحسنيين إما ظهور على العدد وإما الشهادة.
كانت هذه الكلمات (كيمياء) الموقف التي قلبت نحاس الخوف إلى ذهب الإقدام، وهكذا وقف ثلاثة آلاف مقابل مائة ألف.
وبالرغم من أن نهاية المعركة لم تكن لصالح المسلمين، وهذا طبيعي إذ أنهم يواجهون ثلاثة وثلاثين ضعفاً، ومع حساب فارق التسليح والظروف الأخرى تزداد هذه النسبة.
والتحم الجيشان، وزيد بن حارثة يحمل الراية ويغوص في جيش الروم حتى يغيب لكن الراية ترفرف ويعود، وهكذا حتى قتل والراية لما تسقط فقد أخذها جعفر ابن أبي طالب، ونزل عن فرسه الشقراء وعقرها وأنشأ يقول:
ياحبذا الجنة واقترابـهــا طيــــبة وبارد شرابها

والروم روم قد دنا عذابها
كافـــرة بعيدة أنسابها

علـيّ إن لاقيتها خـرابها
وحمل على القوم كصاعقة راجلاً، فلا يتصل بأحد إلا نصّفه بسيفه حتى قطعت يمينه، وكان همه أن تبقى الراية خفّاقة، وإن سقطت يمناه، فأخذها بيساره، وقطعت فاحتضن الراية بزنديه المقطوعين إلى صدره، وحملوا عليه فقتل رضوان الله عليه.

وفي المدينة.. رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يتقدم إلى بيت جعفر
في خطى وئيدة وآثار الحزن قد كست وجهه، وطرق الباب، ففتحت أسماء بنت عميس زوجة جعفر.
_ أين بنو جعفر؟!
فجاءته بعبد الله وعون ومحمد، فأجلسهم في حجره وجعل يمسح على رؤوسهم ويبكي.
_ يا رسول الله إنك تمسح على رؤوسهم كالأيتام فهل بلغك عن جعفر وأصحابه شيء؟!.
_ يا أسماء ألم تعلمي بأن جعفر قد استشهد؟!.
ولم تسع محاجر العيون دمعة القلب، ففاضت، فقال لها:
_ لا تبكي فإن الله أخبرني أن له جناحين في الجنة من ياقوت أحمر يطير بها مع الملائكة.



عبد مناف بن عبد المطلب (أبو طالب)
توفي بعد عشر سنوات من بعثة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) العمر 85 سنة
ولولا أبو طالب وابنـه
لما مثل الدين شخصاً وقاما

فذاك بمكة آوى وحامى
وهذا بيثرب جَس الحِماما

وما ضرّ مجدَ أبي طالب
جهول لغى أو بصير تعامى

كما لا يضر إياب الصبا ح
من ظنّ ضوء النهار الظلاما

ابن أبي الحديد المعتزلي
مرّ الشتاء دون أن ترسل السماء قطرة من غيثها، وأجدبت الأرض فلا واحة إلاّ وأكل الجفاف رونقها وبهاءها، وهامت الدواب تبحث عن مرعى دون جدوى، وتوقع القرشيون الهلاك، فإن انتهى الشتاء على هذه الحال، فلا ضرع ولا زرع.
وجاؤوا إلى شيخ الأبطح..
_ يا أبا طالب.. أقحط الوادي، وأجدب العيال فهلمَّ واستسقِ.
كان من عادة قريش إذا أقحطوا توسلوا ببني هاشم، وخرج هذه المرة أبو طالب «ومعه غلام كأنه شمس تجلّت عنه سحابة قتماء وحوله أغيلمة، فأخذه أبو طالب فألصق ظهره بالكعبة ولاذ بإصبعه الغلام، وما في السماء قزعة ـ أي قطعة سحاب ـ فأقبل السحاب من هاهنا وها هنا وأغدق، واغدودق وانفجر له الوادي وأخصب البادي والنادي...»( ).
كان ذلك للمرة الثانية في عرض أبي طالب لهذا الغلام ذي الشأن الكبير، وكان أبو طالب الذي سمع من أبيه عبد المطلب أنه سيولد من نسله نبي من أنبياء الله العظام وأوصى بنيه بنصره يعلم أن هذا الغلام ابن عبد الله أخيه هو النبي المنتظر، ولكنه كان يريد تعريف قريش به من خلال كراماته ومناقبه..
هاهو الركب المغادر إلى الشام للتجارة في رحلته السنوية على وشك الانطلاق،
وفيه أبو طالب، و (محمد) ابن أخيه آخذ بزمام ناقته يطلب منه أن يرافقه: يا عم إلى من تكلني لا أب لي ولا أم لي؟! فرقّ له أبو طالب وقال: والله لأخرجن به معي ولا يفارقني ولا أفارقه أبداً.
فخرج به معه فلما نزل الركب (بصرى) من أرض الشام وبها راهب يقال له: بحيرا في صومعة له وكان أعلم أهل النصرانية ولم يزل في تلك الصومعة، راهب إليه يصير علمهم من كتاب فيهم كما يزعمونه يتوارثونه كائناً عن كائن فلما نزلوا ذلك العام ببحيرا وكانوا كثيراً ما يمرون عليه قبل ذلك فلا يكلمهم ولا يتعرض لهم حتى إذا كان ذلك العام نزلوا به قريباً من صومعته فصنع لهم طعاماً كثيراً وذلك فيما يزعمون عن شيء رآه وهو في صومعته من الركب حين أقبلوا، وغمامة تظلّه (صلى الله عليه وآله وسلم) من بين القوم ثم أقبلوا حتى نزلوا بظلّ شجرة قريباً منه فنظر إلى الغمامة حتى أظلت الشجرة وتهصرت (يعني تهدلت) أغصانها على رسول الله حتى استظل تحتها فلما رأى بحيرا ذلك نزل من صومعته وقد أمر أن يصنع لهم ذلك الطعام فصنع ثم أرسل إليهم فقال: إني قد صنعت لكم طعاماً يا معشر قريش وأنا أحب أن تحضروا كلكم صغيركم وكبيركم وحرّكم وعبدكم، فقال له رجل منهم: يا بحيرا إن لك اليوم لشأناً ما كنت تصنع هذا فيما مضى وقد كنا نمر بك كثيراُ فما شأنك اليوم؟!.
قال بحيرا: صدقت قد كان ما تقولون ولكنكم ضيوف فأحببت أن أكرمكم وأصنع لكم طعاماً تأكلون منه كلكم. فاجتمعوا إليه وتخلف رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من بين القوم لحداثة سنه في رحال القوم تحت الشجرة فلما نظر بحيرا في القوم لم ير الصفة التي يعرفها وهي موجودة عنده، فقال:
_ يا معشر قريش لا يتخلف أحد منكم عن طعامي هذا. فقالوا: ما تخلف عنك أحد ينبغي أن يأتيك إلاّ غلام هو حدث القوم سناً تخلف في رحالهم.
قال: لا تفعلوا، ادعوه فليحضر هذا الطعام معكم.
فقال رجل من قريش: واللات والعزى إن لهذا اليوم نبأ، أيليق أن يتخلف ابن عبد الله عن الطعام من بيننا.. ثم قام إليه فاحتضنه ثم أقبل به حتى أجلسه مع القوم فلما رآه بحيرا جعل يلحظه لحظاً شديداً وينظر إلى أشياء من جسده، قد كان يجدها عنده في صفته حتى إذا فرغ القوم من الطعام وتفرقوا قام بحيرا فقال له: يا غلام أسألك باللات والعزى إلاّ أخبرتني مما أسألك عنه.
فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): لا تسألني باللات والعزى شيئاً قط.
قال بحيرا: فبا لله إلاّ ما أخبرتني عما أسألك عنه.. قال له (صلى الله عليه وآله وسلم):
سلني عما بدا لك. فجعل يسأله عن أشياء من نومه وهيئته وأموره ورسول الله يخبره فيوافق ذلك ما عند بحيرا من صفته ثم نظر إلى ظهره فرأى خاتم النبوة بين كتفيه على موضعه من صفته التي هي عنده.
كل ذلك وأبو طالب يرقب الموقف.. حيث أنشأ يقول:
أن ابن آمنة النبي محمد
عندي يفوق منازل الأولاد

إلى آخر أبياته...
وينزل الأمين جبرئيل على رسول الله، وهو في غار حراء متوجاً بذلك سلسلة إخبارات وأصوات كان يسمعها الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) سابقاً و(يبعث) إلى الناس كافّة لإخراجهم من عبادة العباد و الأحجار إلى عبادة الله.
ويعرف الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ماذا تعني الدعوة الجديدة بالنسبة لقريش إنها تعني النسف الكامل لكل ما بنوه من مجد باطل، وعبادة زائفة، وتسلطوا على سائر القبائل مستفيدين من وجودهم قرب بيت الله الحرام، ولذلك فقد كان بحاجة إلى قلب حان، وذراع قوية، يدفئه الأول وتحميه الثانية ويأتي إلى عمه العباس بن عبد المطلب:
_ إن الله قد أمرني بإظهار أمري وقد أنبأني فما عندك؟! قال الرسول لعمّه العباس الذي أجابه:
_ يا ابن أخي قريشاً أشد الناس حسداً لولد أبيك، وإن كانت هذه الخصلة كانت الطامة الطّماء والداهية العظيمة ورمينا عن قوس واحد وانتسفونا نسفاً، ولكن قرّب إلى عمّك أبي طالب فإنه كان أكبر أعمامك، أن لا ينصرك، ولا يخذلك ولا يسلمك.
وهكذا لم يجد الرسول في عمه العباس قدرة الحماية والتصدي للدفاع عن دعوته، فاتجه (صلى الله عليه وآله وسلم) مع العباس إلى أبي طالب، فلما رآهما قال: إنك لكما تظنة وخبرا ما جاء بكما في هذا الوقت؟! فعرّفه العباس ما جرى، فنظر أبو طالب إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وقال له:
_ اخرج يا ابن أبي فإنك الرفيع كعباً والمنيع حزباً والأعلى أباً... والله لا يسلقك لسان إلاّ سلقته ألسن حداد واجتذبته سيوف حداد، والله لتذلنّ لك العرب ذلّ البهم لحاضنها، ولقد كان أبي يقرأ الكتاب جميعاً ولقد قال: إن من صلبي لنبياً لوددت أني أدركت ذلك الزمان فآمنت به فمن أدركه من ولدي فليؤمن به.( )
ووجد أبو طالب ما كان يبحث عنه، ذلك أنه وآباءه وهم يدينون بالحنيفية الإبراهيمية كانوا يقرؤون الكتب ويتوارثون العلم عن النبي المنتظر الذي ستذلّ له العرب، ويتواصون بالإيمان به والفداء في نصرته إن أدركوه، وهكذا يمرّ جيل وآخر حتى كان هذا اللقاء، وأكّد لأبي طالب صحة ما قد توسّمه في ابن أخيه...
ولـــكن.....
إنه يقف أمام منعطف خطر، وعليه أن يستخدم أقصى ما يملكه من ذكاء، بحيث يخفي عقيدته وإيمانه لكي يستطيع أن يبقى في موقع (شيخ الأبطح) وسيد قريش.
ومن خلال ذلك يقوم بحماية الرسول والمؤمنين به دون أن يكون موقع التهمة، ويحتاج من يمارس هذا الدور إلى نفس صلبة وعقيدة راسخة تماماً كمؤمن آل فرعون، وكأهل الكهف الذين «أسرّوا الإيمان وأظهروا الشرك فآتاهم الله أجرهم وأن أبا طالب أسرّ الإيمان وأظهر الشرك فآتاه الله أجره مرتين».( )
ومارس أبو طالب هذا الدور بكل دقة واتقان.. ولو كان قد أعلن إيمانه منذ البدء لم يكن يستطيع ذلك.
لقد ألقي عليه هذا القول الثقيل والمسؤولية الكبرى، في حفظ صاحب الرسالة، خصوصاً وأن قريشاً التي لم تشهد تحديّاً كهذا كانت قد عقدت العزم الأكيد على تصفية وجود النبي واغتياله، وكما عقدت قريش عزمها على قتل الرسول، فقد عقد أبو طالب ميثاقاً مع الله أن يدفع عن رسوله، فادياً في ذلك نفسه وأولاده، قائلاً:
كذبتم وبيت الله يبزى محمد
ولما نطاعن دونه ونناضـــل

ونسلمه حتى نصرّع حولـه
ونذهل عن أبنائنا والحلائـل

ألم تعلموا أن ابننا لا مكذب
لدينا ولا نعبا بقول الأباطــل

ولذلك كان أكثر ما يخاف البيات (الاغتيال ليلاً) فكان إذا عرف مضجعه، يقيمه بعد أن يذهب من الليل هزيع، ويضجع ابنه عليّاً(عليه السلام) مكانه، فقال علي له ليلة: يا أبت إني مقتول!!.
فقال له أبوه:
اصبرن يا بني فالصــبر أحـجى

كل حي مصيره لشعــوب

قد بذلناك والـــبلاء شـديد

لفداء الحبيب وابن الحبـيب

لفداء الأغر ذي الحسب الــثا

قب والباع الكريم النجـيب

إن تصبك المنون فالنبل تبرى

فمصيب منها وغير مصيـب

فأجابه علي (عليه السلام):
أتأمرني بالصبر في نصـر أحمد
والله ماقلت الذي قلت جازعـاً

ولكنني أحببت أن تر نصرتي
وتعلم أني لم أزل لك طائعاً

سأسعى لوجه الله في نصر أحمد نبي الهدى المحمود طفلاً ويافعاً( )
ولم يكن يبق ذلك خفياً على قريش، لذلك كان كل واحد منهم يفكر في ردّ الفعل المتوقع من أبي طالب لو وصل إلى الرسول أذى وسوء، فهاهو أبو طالب لا يفتأ يذكر نصرته للرسول وذبّه عنه، ودعوة أبنائه للدفاع عنه وسائر الناس للإيمان به، وهو وإن لم يشأ إظهار إيمانه لما تقدم، إلاّ أنه لا يترك موقفاً يبين لقريش قوة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) به، إلاّ وأظهره، ولا أظهر من موقفه من زعماء قريش عندما تآمروا عليه قائلين: وما خير من أن نغتال محمداً..
فلما كان مساء تلك الليلة فقد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وجاء أبو طالب وعمومته إلى منزله فلم يجدوه فجمع فتياناً من بني هاشم وبني عبد المطلب ثم قال: ليأخذ كل واحد منكم حديدة صارمة ثم ليتبعني إذا دخل المسجد فليجلس إلى عظيم من عظمائهم، فيهم ابن الحنظلية (يعني أبا جهل) فإنه لم يغب عن شر إن كان محمد قد قتل، فقال الفتيان: نفعل فجاء زيد بن حارثة فوجد أبا طالب على تلك الحالة. فقال له:
_ يا زيد أحسست ابن أخي؟!
قال زيد: نعم كنت معه آنفاً.
فقال أبو طالب: لا أدخل بيتي حتى أراه، فخرج زيد سريعاً حتى أتى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو في بيت عند الصفا ومعه أصحابه يتحدثون، فأخبره الخبر فجاء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى أبي طالب، فقال له:
_ يا ابن أخي أين كنت؟! أكنت في خير؟!
فأجابه: نعم، فقال له: ادخل بيتك.
فدخل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) فلما أصبح أبو طالب غدا على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فأخذ بيده على أندية قريش ومعه الفتيان والمطلبيون فقال:
_ يا معشر قريش! هل تدرون ما هممت به؟! قالوا: لا.
فأخبرهم الخبر، وقال للفتيان: اكشفوا عمّا في أيديكم، فكشفوا فإذا كل رجل منهم معه حديدة صارمة، فقال لهم: لو قتلتموه ما بقيت منكم أحداً حتى نتفانى نحن وأنتم. فانكسر القوم وكان أشدهم انكساراً أبو جهل.
وبقدر ما هبطت الذلة رؤوس زعماء قريش، فقد مضى أبو طالب بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عزيز الجانب، مرفوع الهامة وهو يقول:
اذهب بُنيَّ فما عليك غضاضــة
اذهب وقر بذاك منك عيـونا

والله لن يصلوا إليك بجمعهم
حتى أوسد في التراب دفـينا

ودعوتني وعلمت أنك ناصحي
ولقد صدقت وكنت قبل أمينا

وذكرت دينـاً لا محــالة أنه
من خير أديان البرية ديــــنا

ولما رأت قريش أن الرسول في حصن منيع من القتل، وأنه لا يتم لهم ذلك مادام أبو طالب موجوداً، فتحولوا إلى طريق آخر وهو تصفية الشخصية والاغتيال الاجتماعي، عبر زيادة وتيرة الاستهزاء والسخرية، والإسقاط فكان طريقه (صلى الله عليه وآله وسلم) يمتلئ بالأشواك والحجارة، وبيته المجاور لبيت أبي لهب مكاناً كان هدفاً للأوساخ ولم يكن وحده في ذلك بل تساعده في ذلك (امرأته حمّالة الحطب). ولم يكن دور أبي طالب في هذا الصعيد أقل من سابقه.
وفي المسجد الحرام، وحيث يصلي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، جلس أبو جهل ومعه عدد من القرشيين، فلما دخل النبي في الصلاة، قال أبو جهل:
_ من يقوم إلى هذا الرجل فيفسد عليه صلاته؟
فقام ابن الزبعرى فأخذ فرثاً ودماً فلطّخ به وجه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فانفتل النبي من صلاته، ثم أتى عمه أبا طالب:
_ يا عم ألا ترى ما فُعل بي؟!.
_ من فعل بك هذا؟! سأله عمه.
_ عبد الله بن الزبعرى.
وانتهضت في أبي طالب حمية الدين الهاشميّة، وقام حاملاً سيفه على عاتقه ومشى معه، حتى أتى القوم، فلما رأوه قد أقبل جعلوا ينهضون، فقال لهم:
_ والله لئن قام رجل جلّلته بسيفي.
فقعدوا حتى دنا إليهم، وقال (للنبي): يا بني من الفاعل بك هذا؟!.
فقال: عبدالله بن الزبعرى.. فأخذ أبو طالب فرثاً ودماً فلطّخ به وجوههم ولحاهم وثيابهم وأساء لهم القول..
ولك أن تتصور عزيزي القارئ" سادة" قريش وقد رجع كل واحد منهم إلى منزله وقد تخضبت لحيته، وتلطخت ثيابه من الدماء الفاسدة.
وإذ يؤمن حمزة أخوه برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، يقوى جانب الرسول فيسر ذلك أبا طالب، ويمرّ على أخيه مشجعاً إياه على الالتزام بدين الرسول، وإظهار ذلك، وإشهاره أمام الناس قائلاً له:
فصبراً أبا يعلى على دين

وكن مظهراً للدين وفقت صابرا

وحُط من أتى بالحق من عند ربه

بصدق وعزم لا تكن حمزُ كافرا

فقد سرني إذ قلت أنك مؤمن

فكن لرسول الله في الله ناصرا

وبادِ قريشاً بالذي قد أتيته

جهاراً وقل:ما كان أحمد ساحراً( )

وأطلقت قريش آخر سهم في كنانتها، المساومة، بعد أن فشلت المناوأة..
_ يا أبا طالب هذا عمارة بن الوليد أنهد فتى في قريش وأجمله فخذه فلك عقله ونصره واتخذه ولداً فهو لك، وأسلم إلينا ابن أخيك هذا الذي قد خالفك دينك( ) ودين آبائك. وفرّق جماعة قومك وسنة أحلامهم، فنقتله فإنما هو رجل برجل.
كان بريق النجاح يطلّ من عيون القادمين إلى أبي طالب وهي تلتقي، فما هي إلاّ ساعة من النهار حتى يحتفلوا بنخب قتل الرسول، إذ لم يكن يخالجهم أدنى شك في سرعة قبول أبي طالب.
جواب أبي طالب كان صفعة عنيفة لخيالاتهم، وهدماً لهيكل أمانيهم:
والله لبئس ما تسومونني!! أتعطونني ابنكم اغذوه لكم وأعطيكم ابني تقتلونه؟ هذا والله مالا يكون أبداً!.
وكان نتيجة ذلك المقاطعة الاقتصادية والاجتماعية الشاملة فقد اجتمعت قريش على أن يكتبوا كتاباً يتعاقدون فيه على بني هاشم وبني المطلب: أن لا ينكحوا إليهم ولا يبيعوا منهم شيئاً ولا يتبايعوا ولا يقبلوا منهم صلحاً أبداً ولا تأخذهم بهم رأفة حتى يسلموا رسول الله للقتل. ويخلوا بينهم وبينه.
وهكذا غدا شيخ الأبطح سجين الشِّعب يتجرع الغصص، تمرّ الأيام والحصار يشتد يوماً بعد يوم، والجوع يفتك بالصبية، والصيف والعطش يجهد الكبار، وما كان يرسله بعض القرشيين من المنصفين في جوف الليل من جمال محملة بالطعام لم يكن ليسد جوع الأفواه ولا يروي غليل عطشها، وأبو طالب يتحمل ذلك كله في سبيل الدفاع عن دين الله وحياطة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ولا يزداد في اللأواء إلاّ بصيرة في دينه.
وكان يوم..
يقبل فيه الرسول على أبي طالب، و ليسر إليه من بين الجمع بكلمات، فيبتسم أبو طالب:
_ يا ابن أخي! أربُّك أخبرك بهذا؟!.
_ نعم. قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).
_ والثواقب ما كذبتني قط.

تهامس القرشيون، وسكروا بخمرة "وهم الانتصار" فما الذي جاء بأبي طالب ومعه الهاشميون، وقد بانت آثار الحصار على سمرة وجوههم، وضعف أبدانهم، وثيابهم أيضاً.. بينما رقّ غيرهم لحال أبي طالب، ذلك الذي كان أعز قريش، وشيخ أبطحها أيصير به التزامه بابن أخيه إلى هذا الحد من الجهد والبلاء؟!.
نعم.. ها قد جاء أبو طالب إلى المسجد:
_ يا معشر قريش..
جرت بيننا وبينكم أمور لم تذكر في صحيفتكم فأتوا بها لعلّ أن يكون بيننا وبينكم صلح.. (لقد قال ذلك خشية أن ينظروا فيها قبل أن يأتوا بها فتفشل المهمة). وهكذا أتوا بها وهم لا يشكون أن أبا طالب يدفع إليهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).. ووضعوها بينهم، وقالوا لأبي طالب:
_ قد آن لكم أن ترجعوا عما أحدثتم علينا وعلى أنفسكم!! فأجابهم:
_ أتيتكم في أمر هو نصف بيننا وبينكم.. إن ابن أخي أخبرني ولم يكذبني: أن الله قد بعث على صحيفتكم دابة فلم تترك فيه

في رحاب الإمام الحسن (ع)
في رحاب الإمامين العسكري والحجة(ع)