قراءة
بناء القادة في منهج أهل البيت (ع)
المؤلف: الشيخ فوزي السيف
مرات العرض: 4813
القراءة والتنزيل: عدد مرات التنزيل: (1945) قراءة
بناء القادة في منهج أهل البيت

المقدمة
هذا الكتاب.. محاولة للكشف عن منهج التربية الرسالية لدى أهل البيت (ع،).
إن هذا التاريخ الثري المليء بالعبر والتجارب التي خلفها المعصومون (عليهم السلام) ومن سار على دربهم من الصالحين، أجدر المواضيع بالدراسة والبحث، خصوصاً أن الحركة الإسلامية اليوم تعتمد العنصر البشري كأهم الأسلحة في صراعها مع الاستعمار.
ولكيلا نضطر إلى استيراد التجارب كقطع غيار السيارات، لا بد أن نتعرف على تجاربنا الذاتية الأصيلة عبر دراسة حياة أهل البيت وحواريهم.. وهذا ما أسعى له في هذا الكتاب.
هل وفقت في ذلك؟!
اترك لك الحكم عزيزي القارئ. ولكن حسبي أنني حاولت محاولة جادة، وحسبي أن أرجو أن يكون هذا بداية الطريق لبحوث وكتابات تبين هذا الجانب المجهول وتنفع الأمة في صراعها القائم.
والله ولي التوفيق
فوزي آل سيف
------------------------------

الفصل الأول
الحاجة إلى القادة
• الاستعمار مرّ من هنا
• الثورة تحتاج إلى قادة
• لاستمرار التحرك
• طبيعة الصراع
نعم.. هل هناك حاجة إلى الكوادر؟! خصوصاً في هذا الوقت الذي تعلو فيه أصوات أجنبية أحياناً ، ومسلمة حيناً ، معلنة معارضتها لطلائع العمل وكوادره ، شخصيات كانت أو تنظيمات .
بل ويشكل أخص في فترات الخوف ، وحين تشتد هجمة الإرهاب والعنف في المجتمع ، وتطال الاعتقالات الكثير من المواطنين حتى أولئك الذين لم ينهوا المرحلة الابتدائية ؟!
وحين يتنمر البعض في دفاعه عن نفسه ومصالحه ، متصوراً أنها ترتبط بالحفاظ على الوضع الموجود .. يعلن هذا السؤال عن نفسه في صور متعددة ، تنتهي إلى العاملين وإلى الطلائع منهم بالذات :
ماذا جنينا من هؤلاء ؟!
وما الذي عاد على المجتمع غير التوتر ، والسجن ، والفوضى !!
ولماذا يقوم هؤلاء بأعمال نتحمل نحن نتيجتها ؟!
وأساساً ما هو نفعهم ؟ وما الحاجة إليهم ؟!
سوف أجيب- عزيزي القارئ – على هذه الأسئلة ، وغيرها التي تصيب أخيراً في قناتها ، عبر الحديث عن ضرورة التوجه لبناء الكوادر وتنميتهم والسعي لزيادتهم في المجتمع ، سواء كان هذا السعي مسؤولية الحركة الإسلامية ، أو سائر أبناء المجتمع . ثم أبين في فصل آخر حرص الإسلام ممثلاً بالمعصومين عليهم السلام على تربية واعداد الطلائع المؤمنة، وسعي كل إمام منهم في هذا الأمر.

1/ الاستعمار.. مرّ من هنا:
تخلصت بلادنا الإسلامية من السيطرة الاستعمارية المباشرة أو هكذا بدا لها، وبدأت تحتمل.. بفرح طفولي بأعياد الاستقلال!! أو بذكرى الجلاء، وتتخذ من هذه الأيام أعياداً وطنية.
ولم يكن الاستعمار غبياً إلى درجة أن يترك هذا الكنز ويرحل حباً في السلام أو التزاماً بقرارات هيئة الأمم!!
لقد خرج من الباب ليعود من النافذة الأوسع، وضمن ظروف أفضل، فإذا كان في السابق يضطر لتخصيص ميزانية ضخمة للإنفاق على القواعد العسكرية والجيوش المرابطة، والتجهيزات القتالية، ها هم أبناؤه وتلاميذه يكفونه المهمة، ويحققون ما أراد دون تكاليف باهظة كالسابق.
إنه يعتمد على أولئك الأفراد الذين وإن كانوا من نفس البلاد إلاّ أنهم تربوا في مدارسه، وتشربوا مناهجه، وطريقة تفكيره، و حينها سلم لهم المناصب والمواقع ولم يخسر شيئاً.
وحتى اليوم لا يزال العدو يدخل بيننا عبر هذه النماذج من الطلاب الذين يذهبون لدراسة العلم، وتحقيق تقدم الأمة واستقلالها، ولكنهم يرجعون مربوطين إلى الفكر الاستعماري برباط وثيق لا ينفكون عنه.
إن غالب الجامعات الأجنبية التي يذهب إليها أبناء مجتمعنا لا تدرس العلم فقط، وإنما تعطي للطالب منهجاً في الحياة، وطريقة للتفكير بل تصنع له انتماءً خاصاً، وهكذا يرجع البعض ليكون أكبر همه أن يقوم بتقليد الغرب وربط المجتمع- قدر إمكانه- بالفكر والنهج الاستعماري.
فليس غريبا أن نجد بعد هذا أن أبرز القيادات المعروفة في بلادنا الإسلامية إنما تم تصنيعها في الخارج، وضمن قوالب أجنبية، وحينها لن يكون عسيراً علينا فهم سبب تخلف الأمة، وانحطاطها حتى اليوم.
هؤلاء الذين تخرجوا من الجامعات الأمريكية والذين يحتلون اليوم مواقع أساسية في الإدارة والحكم في بلادنا الإسلامية.
وهكذا لو شئنا لاستعرضنا الكثير من الأسماء التي ربيت، وأُعدت لتسلم هذا الدور.
والعدو إنما يقوم بهذا الدور لأنه يعرف أهمية التركيز على تربية الكفاءات والكوادر، حيث أنها سترث الوضع الموجود، وستقوم بخدمته بشكل أفضل، وإذا كان العدو يعرف (من أين تؤكل الكتف) ويعد عدته للاستفادة من الفرص عبر هذا السلاح القاطع، فان على المؤمنين أن يكونوا أكثر حزماً ووعياً للاستفادة من هذا السلاح، ذلك أنه بالإمكان تربية الشباب العامل ضمن برنامج إسلامي يخرج الفرد منهم من حالة الحماس والاندفاع العام للعمل في سبيل الله إلى حالة التركيز الشديد والقدرة على التخطيط، وفهم مختلف جوانب الصراع إضافة إلى تهذيب الشخصية.. إن ذلك لهو أقوى أسلحة الصراع.

2/ والثورة تحتاج القادة:
تتحرك الجماهير تواقة إلى الحرية، معلنة تمردها على الباطل وتتسارع حركتها حتى تسبق التوقعات، وتتجاوز التنبؤات، غير أنها لا تصل إلى النصر إلاّ مع وجود قيادة رسالية مخلصة، فكم من المجتمعات تحركت وقدمت الشهداء والضحايا قرباناً لحريتها واستقلالها، غير أنها (قنعت من الغنيمة بالإياب) كما يقال، فلم تستطع تحقيق أهدافها، هذا رغم ضخامة التحرك.
ولا تقتصر حاجة الثورة والجماهير إلى القيادة على القمة والرأس وإنما تمتد إلى صعيد الوسائط والجسور بين القيادة والجمهور وهذا دور الطلائع والكوادر .
من هنا رأينا كم كان رسول الله حكيماً عندما بيّن للأمة القيادة الشرعية التي ينبغي أن تسير وراءها .
ووضع الثورة وضع استثنائي ، فينبغي تفويت الفرصة على الأعداء فيه ، إذ من السهل – إذا لم يلتفت المؤمنون – سرقة الثورة ، واختطاف جهود العاملين فقد قيل أن الهزيمة تولد يتيمة والانتصار له ألف أب .. إذ يتشبث كل واحد بذيول النصر ، متصوراً أنه صانعه ، حتى أولئك الذين كانوا يتمنون في يوم من الأيام ، مجرد أمنية ، أن ينتصر المسلمون وأن تنجح الثورة حتى أولئك المتمنون يجعلون أنفسهم أبطال نصر ، ويتسابقون في بيان أدوارهم وأعمالهم القليل من الحقيقة والكثير من الاصطناع . وإلى ذلك يشير القرآن حين يتحدث عن هذه الفئة التي تحب أن تحمد بما لم تفعل ، وتكسب موقعاً من رصيد الآخرين ، بينما لم تشارك أيام الضراء بعمل ، ولم تبذل شيئاٍ .
إن العدو يمتلك احتياطياً من القيادات المعلبة الجاهزة للتصدير ساعة يرى الفرصة مناسبة ، ولقد كان لأمتنا الإسلامية في أكثر من موقع تجربة مرة مع هذه القيادات .. بعضها نجح في أداء الدور وبعضها فشل بفضل وعي الثائرين .
في إيران حين بدأت الثورة تشتد ، ويقوى ساعدها وبدأت توجه الضربات إلى الهيكل الشاهنشاهي المتآكل ، في نفس الوقت حاول الاستعمار أن يسرق ثورة المؤمنين عبر إبراز تيارات عميلة على السطح مثل شاهبور بختيار وغيره ، ولكنه لم ينجح بفضل الله . ثم بوعي القيادات المؤمنة ، غير أنه في بلد مثل الجزائر نجح فإذا بنا نجد أن تلك الثورة الإسلامية التي أعطى فيها الشعب أكثر من مليون شهيد ، إذا بها تسقط في مستنقع القيادات العلمانية والاشتراكية، فتضيع تلك الجهود.. وهذا ما يحاول الاستعمار اليوم تطبيقه في بقية بلادنا الإسلامية حيث أنه في نفس الوقت الذي يقوم بتشويه صورة العلماء الرساليين والقيادات الصالحة عبر اتهامها بالإرهاب والتطرف، يحأول تلميع صورة الشخصيات المرتبطة به، ففي كل يوم لهم جولة، وأخبار، وإبراز في وسائل الإعلام.
وهنا نحتاج إلى إعداد أكبر عدد ممكن من الكوادر، والعناصر القيادية القادرة على قيادة المجتمع ساعة يتحرك.

3/ لاستمرار التحرك:
يخطيء من يظن النصر صدفة تخطيء طريقها فتصل إلينا بقدر ما يخطيء أولئك الذين يتصورون الثورة نزهة قصيرة تجري فيها كل الرياح بما نشتهي.
تغيير المجتمع، والثورة على الواقع الفاسد الموجود، عملية معاناة طويلة وشاقة، وعملية مبالغة في بذل الجهد، وقد ينقضي جيل كامل دون أن تكتحل أعينهم برؤية رايات النصر.
والطاغوت الجاثم في بلادنا يهلك الحرث والنسل، لن يجلس جلسة المتفرج وهو يرى العاملين قد شدوا حزام الجد والتحرك. انه سوف يتحرك ويبطش، ولن يتوانى عن فعل ما يراه ضرورياً لإبقاء سيطرته وحكمه.. ألم يقل فرعون للسحرة الذين آمنوا بنبي الله موسى (عليه السلام) مهدداً ومتوعداً (قال آمنتم له قبل أن اذن لكم انه لكبيركم الذي علمكم السحر فلسوف تعلمون * لاقطعن ايديكم وارجلكم من خلاف ولاصلبنكم اجمعين )
و اعتماد العاملين والحركة الإسلامية على شخص واحد أو عدد محدود من الأشخاص يجعل فرصة استمرار العمل والتحرك فرصة محدودة، إذ من السهل أن يقوم العدو باستئصال هذا الشخص من بين المجتمع عبر الاعتقال أو الاغتيال بينما تقتضي استمرارية الحركة وجود عدد أكبر من الكوادر والقيادات كلما غاب منهم واحد قام الآخر مكانه. ان انتشار الإسلام في الجزيرة العربية وما حولها في فترة قياسية بدءاً ببعثة الرسول وحتى سيطرة المسلمين على بلاد الروم وفارس، وانتشاره فيما بعد إلى مختلف أرجاء المعمورة إنما كان بسبب تربية رسول الله للمسلمين، حيث تحول أكثرهم إلى قادة بالقوة، ومتى ما وجدوا فرصة لتحويلها إلى فعل قاموا بذلك تلك التربية التي تصنع من أسامة بن زيد ذي الثمانية عشر ربيعاً قائداً عسكرياً لأكبر جيش بعثه الرسول ولمحاربة إحدى الدول العظمى آنئذٍ.
إن مجتمعاً توجد فيه هذه القوة، قوة الإنسان المؤمن الحامل قضية لا يمكن أن يقهر.
وإن بقاء حركة التشيع في التاريخ رغم هذه المجازر والمذابح التي تعرض لها قادتها وكوادرها، إنما كان يرجع لهذا السبب، فبالرغم من أن الأئمة لم يقضى أحدهم حتف أنفه، بل كانوا بين مقتول ومسموم، ورغم أن أصحابهم ووكلاءهم لوحقوا وشردوا، وكانت همة الوالي أن يتقرب إلى الخليفة بسفك دمائهم.. إلاّ أنهم بقوا ولم تتوقف الحركة الرسالية في التاريخ ولم تهدأ إلاّ لتبدأ عاصفة جديدة.
ولو لم تمتلك الحركة الرسالية هذا العدد الكبير من الكوادر الذين حافظوا على الرسالة وجسدوا في حياتهم قيمها وتعاليمها، لأصبح من السهل على أعداء الإسلام أن يغلقوا ملفه ويختموه بالشمع الأحمر، غير أن الله بفضله هيأ هؤلاء ليكونوا حفظة ورعاة.
واليوم حيث تواجه الحركة الإسلامية طغيان الحاكمين والأمويين الجدد لابد ان تتسلح بسلاح الكوادر، كيلا تسقط الراية.
إن استمرار الحركة الإسلامية يقتضي وجود نهج مستمر، يصنع الكوادر ويتجسد فيهم، بحيث لا تستطيع الأحداث العصيبة، والصراعات العنيفة تغيير هذا النهج، أو اغتياله.. وإن الخطأ الذي وقعت فيه بعض الفئات الإسلامية أنها غفلت عن هذا المعنى ، فاكتفت بذلك العدد المحدود من القيادات لديها، حتى إذا تصاعد الصراع مع النظام الجائر وجدت هذا العدد القليل من القيادات قد انتهى بين قتيل وسجين ومشرد و أحياناً مستسلم!! وكان أن أمكن إنهاء نهجهاً الثوري الذي بدأت به أو تغييره أو (تهذيبه) !
إن أفضل ما يصنعه الإسلام في نفوس اتباعه ومعتنقيه أن يكشف الحجب عن طاقاتهم الكامنة، ويزيل الغبار عن قدراتهم المخبوءة، فإذا بهذا المرء الذي كان يحسب نفسه (كالبهيمة المربوطة همها علفها أو المرسلة شغلها تقممها) يبصر واقع حياته كخليفة الله في أرضه أمر بعمارتها، و إصلاح فسادها، ويرفعه حتى يرى العالم الأكبر الذي انطوى فيه فإذا بذلك الأعرابي الذي كان همه لا يعدو عقال بعيره، إذا به يصبح همه جميع البشر..
وان على العاملين أن يستفيدوا من هذه القوة العظيمة في واقع العمل الرسالي، وفي إعداد الطلائع المؤمنة.

4/ طبيعة الصراع:
الصراع مع العدو صراع حضاري، لا يكفي فيه أن يتم تهديم الأسس التي يعتمد عليها، بل لابد من إيجاد البديل الأفضل قبل وأثناء عملية الهدم. ولإيجاد البديل لابد من توفير صفات إضافية في العاملين على الأقل على مستوى الطليعة. لابد من سد النقص الكمي الموجود لدى العاملين بزيادة كيفية في الصفات والقدرات لدى هؤلاء القلة، وفي غير هذه الحالة تكون المواجهة بين فئتين، فئة كبيرة تمتلك الوسائل المادية وفئة أخرى مجردة عن صفات الانتصار والنتيجة معروفة في معركة غير متكافئة كهذه.
وقد يكون هذا منسجماً مع ما نفهمه من عدد من آيات القرآن الحكيم التي تتعرض لصراع المسلمين القلة مع أعدائهم الكافرين الكثرة، وضرورة توفير صفات استثنائية في معسكر القلة المسلمة لكي تتغلب على كثرة الكفار، مثل الآية الكريمة التي تشترط أن يكون المؤمن نوعياً بمقدار عشرة رجال من الكفار، سواء في شجاعته، أو قدراته الأخرى لتحقيق الانتصار على ا لكافرين.
(ان يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مئتين وإن يكن منكم مئة يغلبوا ألفا من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون ) .
ولعل التأكيد على كلمة " صابرون " و اشتراطها في العشرين يبين لنا النوعية المطلوبة.
وهكذا الحال في استعراض القرآن لإحدى تجارب بني إسرائيل بقيادة طالوت في صراعهم مع جالوت ذي الكثرة والجند، حيث يقول ربنا سبحانه:
(فلما فصل طالوت بالجنود قال إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فانه مني إلاّ من اغترف غرفة بيده فثربوا منه إلاّ قليلا منهم فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه قالوا لأ طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده قاذ الذين يظنون انهم ملاقوا الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين ج ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا ربنا افرغ علينا صبراً وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين ج فهزموهم بإذن الله.. ) . إننا نلاحظ أن انتصار الفئة القليلة على الفئة الكثيرة لم يتم إلاّ بإذن الله وبعد توفير عدد من الصفات في المؤمنين كشف عنها الامتحان الذي قام بها طالوت لجنوده في شرب الماء.. حيث أبرزت عدداً من الصفات في معسكر القلة " . . إلاّ قليلاً منهم "، من هذه الصفات طاعة القيادة والانتماء الكامل إليها حيث أطاعت القلة أمر طالوت بعدم الشرب من النهر، ومنها الصبر على العطش ومقاومة أهواء النفس، ومنها التوكل على الله والثقة بنصره.. عبر هذه الصفات انتصر مجتمع بني إسرائيل بقيادة طالوت على جالوت وجنوده، وعبر هذه الصفات تنتصر كل الفئات على أعدائها.
إن العاملين في سبيل الله مهما كثروا إلاّ أنهم أقل عدد وعدة من العدو لذا فالحاجة تشتد إلى أن يكون كل عنصر من العاملين حاملاً لصفات إضافية، ومميزات تجعله يتفوق بمفرده على عدد كبير من الأعداء. ويلزم ذلك أن يوجد منهج لتربية العاملين لكي يتحولوا إلى طلائع وقادة.
ووجود هذه العناصر المتفوقة على العدو حضاريا يجعل الحركة الإسلامية قادرة على إزالته وإنهاء وجوده بشكل طبيعي.
------------------------------
الفصل الثاني
أهل البيت وبناء القادة
• حواريو المعصومين .
• تفاضل الحواريين .
هناك عدة نظريات بالنسبة إلى الثورة والعنصر الفاعل فيها. بعضها يعتمد السلاح، وأنه لا يمكن تغيير الوضع الفاسد إلاّ بالرصاصة، وأي عمل خارج إطار البندقية لغو. معللين أن العنف لا يرفعه إلاّ العنف، ولذلك فمن العبث إضاعة الوقت في برامج غير أساسية.
البعض الآخر يعتمد على تغير وتبدل وسائل الإنتاج، وما تفرزه من صراع عنيف بين الطبقات يؤدي أخيراً إلى سيطرة القوى الكادحة، وإزالتها للقوى البرجوازية من ساحة السيطرة.
وهناك نظريات أخرى..
وللإسلام رؤيته الواضحة وبصيرته النافذة في هذا الموضوع إذ أنه يتوجه إلى الإنسان، فيصيغه صياغة جديدة، ويصنعه وفق أسسه الخاصة ثم يصنع به الثورة. إن هذا الإنسان كنز غير مكتشف حتى لنفسه، ووظيفة الإسلام أن يكشف عن هذا الكنز، ويزيل الغبار العالق به.
ولهذا كرمه الله وجعله خليفة في الأرض، وأنعم عليه بنعم اختصه بها دون سائر مخلوقاته: نعمة العقل ليميز بين الخير والشر، ونعمة الإرادة ليتخذ موقفه حسبما يمليه علمه عليه، ونعمة الوحي لتعيد إليه توازنه وتثير دفائن عقله
ولو لم يكن للإسلام معجزة سوى تربيته لهذه المجموعات الرائعة لكفى بها معجزة.. فقد وجدنا أهل البيت (عليهم السلام) يركزون على هذا الجانب ويرعونه حق الرعاية. وسوف نتعرض إلى هذا الجانب في الصفحات القادمة.
من الأمور الضرورية التي يتنبه إليها العاملون مسألة بناء مجموعات خاصة يولونها عناية واهتماماً أكثر مما يفعلون بسائر أصحابهم ويخصونهم بنوع معين من التوجيهات والوصايا، إضافة إلى تربيتهم تربية استثنائية.
وهذا الأمر كما قدمنا في صفحات سابقة ضروري سواء لاستمرار التحرك أو لقيادة الثورة، أو للنجاح والانتصار في الصراع مع العدو، غير أنه ليس أمر جديداً ومبتكراً كما يتصور البعض حين نتكلم عن تربية الكوادر، وإذا كانت التسمية حديثة واستخدمناها هنا للتوضيح، فان المعنى موجود منذ القدم، ذلك إن القرآن الكريم يتحدث عن نبي الله عيسى (عليه السلام) قبل آلاف السنين، ويبين وجود هذه المجموعة التي يسميها الحواريين فيقول:
(وإذا أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي قالوا آمنا واشهد بأننا مسلمون ) .
والمعصومون- عليهم السلام- وهم أصحاب رسالة تغييرية شاملة لاشك أنهم- وهم أعلم الناس- يرون هذا الأمر وفعلاً فقد قاموا بتربية عدد من الناس وجدنا دورهم متميزاً، بفعل التربية الاستئنائية التي تلقوها من المعصومين (عليهم السلام)، ورغم أن أصحابهم (عليهم السلام) كانوا كثيرين إلاّ أننا نجد أنه في حياة كل واحد منهم كان هناك مجموعة خاصة، أشاروا إليها بالاحترام والتقدير.
حواريو المعصومين (عليهم السلام):
النص الذي سوف ننقله يبين لنا عرضاً مجملاً لهذه المجموعات في حياة كل معصوم، ويمكن للمتابع أن يدرس حياة هؤلاء العناصر ومواقفهم لكي يتبين أثر هذه التربية. ولا يعني إيرادنا للحديث الشريف أن الأئمة لم يكن لديهم في هؤلاء المذكورين في الحديث من العناصر، فبالاستفادة من أحاديث أخرى سنوردها يتضح لنا وجود عدد من الكوادر الذين قاموا بأدوار مهمة، وخصهم الأئمة (عليهم السلام) بمزيد من الاهتمام تبعاً للدور المطلوب منهم.
أما النص الذي يتحدث عن حواري الأئمة فعن الإمام موسى بن جعفر(عليهما السلام) قال:
" إذا كان يوم القيامة نادى مناد أين حواري محمد بن عبدالله رسول الله الدين لم ينقضوا العهد ومضوا عليه؟ فيقوم سلمان والمقداد وأبو ذر ثم ينادي مناد أين حواري علي بن أبي طالب وصي محمد بن عبدالله رسول الله ؟! فيقوم عمرو بن الحمق الخزاعي ومحمد بن أبى بكر وميثم بن يحيى التمار مولى بني أسد و أويس القرني، ثم ينادي المنادي أين حواري الحسن بن علي بن فاطمة بنت عمد بن عبدالله رسول الله "؟ فيقوم سفيان بن أبي ليلى الهمداني وحذيفة بن أسيد الغفاري ثم ينادي المنادي أين حواري الحسين بن علي؟ فيقوم كل من استشهد معه ولم يتخلف عنه ثم ينادي المنادي أين حواري علي بن الحسين فيقوم جبير بن مطعم ويحيى بن أم الطويل وأبو خالد الكابلي وسعيد بن المسيب ثم ينادي المنادي أين حواري محمد بن علي وحواري جعفر بن محمد؟ فيقوم عبدالله بن شريك العامري وزرارة بن اعين وبريد بن معاوية العجلي ومحمد بن مسلم وأبو بصير ليث بن البختري المرادي وعبدالله بن أبي يعفور وعامر بن عبدالله بن جداعة وحجر بن زائدة وحمران بن أعين ثم ينادي سائر الشيعة مع سائر الأئمة يوم القيامة فهؤلاء المتحورة أول السابقين وأول المقربين وأول المتحورين من التابعين " .
وليس وضحاً ما إذا كان الإمام الكاظم (عليه السلام) وهو قائل الحديث قد سكت عن بقية الحواريين بدءاً من حوارييه (عليهم السلام) وانتهاء بحواري بقية الأئمة مكتفياً بالحديث عن حواري آبائه وأجداده عليهم السلام.. هل كان ذلك لأجل التقية وما تفترضه من إخفاء أسمائهم حفاظاً على حياتهم من جهة وعلى سرية العمل من جهة أخرى، أو لسبب آخر، وعموماً سنتعرض للموضوع في موقعه في حواري الإمام الكاظم (عليه السلام).
وباستعراض سريع نجد أن الأئمة (عليهم السلام) قد تحدثوا عن حواريهم وكوادرهم موجهين أصحابهم الآخرين إلى الأخذ عن هؤلاء والرجوع إليهم خصوصاً في حالة عدم قدرتهم عن الرجوع إلى الأئمة مباشرة.. مع ملاحظة أن دائرة هؤلاء قد تتسع فتشمل أسماء لم ترد في الحديث المتقدم الذكر، الذي ذكر حواري الأئمة ليس على سبيل الحصر كما نعتقد و إنما باعتبار هؤلاء الأفضل بين الحواريين.

1/ حواريو الرسول (صلى الله عليه واله وسلم):
- عن أبي عبدالله الصادق (عليه السلام) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إن الله أمرني بحب أربعة.. قالوا ومن هم يا رسول الله؟ قال: علي بن أبي طالب والمقداد بن الأسود وأبو ذر الغفاري وسلمان الفارسي " .
- في حديث آخر يتحدث الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) عن بعض صحابته موصياً أمير المؤمنين بهم فعن علي (عليه السلام) أنه سأل الرسول (صلى الله عليه وسلم) قائلاً:
" يا رسول الله انك قلت إن الجنة تشتاق إلى ثلاثة فمن هؤلاء الثلاثة؟
قال: أنت منهم وأنت أولهم، وسلمان الفارسي فإنه قليل الكبر وهو لك ناصح فاتخذه لنفسك، وعمار بن ياسر شهد معك مشاهد غير واحدة ليس منها إلاّ وهو فيها كثير خيره، ضوي نوره عظيم اجره ".
ورغم أن صحابة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي رأوه يزيدون على (140) ألف كما تدل بعض الروايات، إلاّ أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) اختص بعدد من الأولياء الأوفياء، ركز عليهم و أورثهم علمه،

وأدبهم بأدبه وأولهم أمير المؤمنين (عليه السلام) فعن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أثر قوله: " أنا اديب الله وعلي أديبي " .
والى هذا المعنى يشير أمير المؤمنين في وصيته التربوية الرائعة لكميل بن زياد قائلاً في مطلعها: (يا كميل إن رسول الله صلى الله عليه وآله أدبه الله عز وجل وهو أدبني وأنا أؤدب المؤمنين وأورث الأدب المكرمين) .
وسوف نتعرض إلى ذكر موجز عن حياة بعض حواري المعصومين (عليهم السلام) لنشاهد أثر التربية الرسالية التي تلقوها في حياتهم الحافلة.
سلمان المحمدي:
اختلفوا في مقدار عمره ولكنهم اتفقوا على صفاته، وأولها وأهمها البحث عن الحقيقة.
قلة من الناس من يملكون هذه الصفة، فيطوون القفار، ويركبون الصعاب لأجل فكرة حقة، ونهج سليم، بينما الأكثرية تعتقد- عادة- بصواب أفكارها، ولا تكلف نفسها حتى عناء مراجعتها وتقييمها.
وهذا لعمري سبب رئيسي لتخلف الكثير، وبقائهم في أسفل السلم. والمنهج الإلهي يريد تعليمنا هذه الحقيقة باستمرار كما في قصة النبي إبراهيم (عليه السلام) الإرشادية حين رأى الكواكب الآفلة، وكان يعلم الناس منهج البحث عن الحقيقة.
وقصة حياة سلمان (رضوان الله عليه) تعبير رائع عن هذا المفهوم..
ففي بداية حياته أجبره أبوه على التكيف مع المجوسية، ولكن قلبه العاطش للحقيقة لم يرتض هذا الطريق، حتى ذهب إلى دير النصارى وبقي فيه زمناً، ولم يكن نصيبه هنا أفضل من سابقه فاتجه قاصداً تهامة وفي الطريق استرق وبيع على أنه عبد ليهودي، ثم إلى امرأة حتى وصل أخيراً إلى الحق، ووجد ضالته لدى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).
اختص سلمان برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وبعلي (عليه السلام) ولذا استطاع فهم الإسلام وبرز بين جميع المسلمين بل فاقهم، فعن عائشة قالت: كان لسلمان مجلس من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يتفرد به بالليل حتى كاد يغلبنا على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).
وبعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أكمل مشوار تربيته علي (عليه السلام) الذي يقيمه عندما يسأله أحد أصحابه عن سلمان.. ما تقول فيه؟!
فقال (عليه السلام):
" ما أقول في رجل خلق من طينتنا وروحه مقرونة بروحنا خصه الله تعالى من العلوم بأولها وآخرها وظاهرها وباطنها وسرها وعلانيتها ".
ويحدد الإمام الصادق (عليه السلام) سبب رفعة سلمان ووصوله إلى هذه الدرجات من الكمال حتى قال فيه الرسول أنه منهم أهل البيت، معللاً ذلك بذوبانه في قيادته وتقديمها على نفسه وهواه، وكونه مع الفقراء والمستضعفين، وسعيه الدائم للمعرفة و أهلها.
فعن منصور بزرج قال: قلت لأبي عبد الله الصادق (عليه السلام) : ما أكثر ما أسمع منك يا سيدي ذكر سلمان الفارسي.. فقال: " لا تقل سلمان الفارسي ولكن قل سلمان المحمدي.. أتدري ما كثرة ذكري له؟ قلت: لا. فقال: لثلاث خصال:
أحداها: إيثاره هوى أمير المؤمنين على هوى نفسه.
والثانية: حبه للفقراء واختياره إياهم على أهل الثروة والعدد.
والثالثة: حب العلم والعلماء.. ان سلمان كان عبداً صالحاً حنيفاً وما كان من المشركين !.
وبعدة وفاة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وحين ضل أكثر الناس الطريق السليم وجروا مع الواقع الفاسد وقف سلمان بما عهد عنه من بصيرة مع أمير المؤمنين (عليه السلام)، عندما تولى ولاية المدائن من قبل الخليفة الثاني لم يتم ذلك إلاّ بعد أن أخذ رأي أمير المؤمنين (عليه السلام) في الأمر، وكان يسير على نهج علي (عليه السلام)، حاكماً زاهداً ، يكسب – وهو حاكم- من كد يده عبر عمل الخوص.
وعندما جاء إلى المدائن لم يكن يملك إلاّ زوادته وعصاه فلما استقبله الناس ما عرفوه حتى دخل المدائن فمهدوا له قصر الإمارة فقال استأجروا لي حانوتاً في السوق أحكم بين الناس فاستمر على هذه الحال حتى فاض نهر دجلة وخربت بسببه أكثر المنازل.. فلما قربت المياه من الحانوت وضع سلمان جلد كبش كان فراشه على ظهره وأخذ زوادته وعصاه ورقى فوق الجبل وقال: هكذا ينجو المخفون.
واستمر في حياته المليئة بالبركة والعطاء، وهو في كل لحظاتها قدوة و أسوة للرساليين، فسلام عليه يوم كان باحثاً عن الحق، وسلام عليه يوم انتمى للرسالة وتربا بتعاليمها، وسلام عليه يوم ذهب إلى لقاء ربه الكريم.
المقداد بن الأسود الكندي: ت سنة 33 هـ
أحد الأركان الأربعة.. الوحيد الذي لم يدخله شك في ولاية أمير المؤمنين (عليه السلام) ولم يتغير منذ قبض رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حتى فارق الدنيا- طرفة عين.. لم يزل قائماً قابضاً على قائم السيف عيناه في عيني أمير المؤمنين (عليه السلام) ينتظر متى يأمره فيمضي) كما يقول الإمام الصادق (عليه السلام) .
شارك في مشاهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أصحابه بشأن الحرب قال له المقداد: يا رسول الله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لمولى: (أذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون )، ولكن والذي بعثك بالحق إنا نقول لك أذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون.
غير ان الموقف المشهود الذي وقفه بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وشجاعته في تأييد علي (عليه السلام)، مع نفر قليل إذ تخلى الكثير عن موقفهم المبدئي إما رغبة أو رهبة أو تحت وطأة المفاجأة إلاّ ثلاثة: المقداد بن الأسود وأبو ذر الغفاري وسلمان الفارسي.
وبين هؤلاء كان المقداد هو الأكثر ثباتاً فعن الصادق (عليه السلام):
" ما بقي أحد إلاّ وقد جال حولة إلاّ المقداد بن الأسود فإن قلبه كان مثل زبر الحديد "، وكان ينتظر الأذن من أمير المؤمنين (عليه السلام) كما تقدم في الحديث الأول.
وبعد أن مرت السنوات وعادت المسألة من جديد في (الشورى)، كان له موقف عنيف تجاه ما يجري، فقد أقبل والناس مجتمعون فقال أيها الناس اسمعوا ما أقول: إنكم إن بايعتم علياً سمعنا وأطعنا وإن بايعتم عثمان سمعنا وعصينا، فقام عبدالله بن ربيعة بن المغيرة المخزمي وقال: أيها الناس إنكم إن بايعتم عثمان سمعنا وأطعنا وإن بايعتم علياً سمعنا وعصينا. وقال له المقداد: يا عدو الله وعدو رسوله وعدو كتابه ومتى كان مثلك يسمع له الصالحون؟ وبعد أن تم الأمر لقي المقداد عبد الرحمن بن عوف، فقال له: إن كنت إنما أردت بما صنعت الدنيا فاكثر الله مالك. فقال عبد الرحمن: أسمع رحمك الله أسمع.. فجذب المقداد يده وقال: لا أسمع والله.
وكان دائم التوبيخ لعبد الرحمن بن عوف على موقفه تجاه أمير المؤمنين (عليه السلام) فقد لقيه ودار هذا الحوار:
- المقداد: والله يا عبد الرحمن ما رأيت مثلما أتى إلى أهل هذا البيت بعد نبيهم.
- عبد الرحمن: وما أنت وذاك يا مقداد؟!
- المقداد: والله إني لأحبهم لحب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لهم ويعتريني وجد لا أبثه بثة لتشرف قريش على الناس بشرفهم واجتماعهم على نزع سلطان رسول الله من أيديهم.
- عبد الرحمن: ويحك لقد أجهدت نفسي لكم.
- المقداد: والله لقد تركت رجلاً من الذين يأمرون بالحق وبه يعدلون والله لو أن لي على قريش أعواناً لقاتلتهم قتالي إياهم يوم بدر وأحد.
- عبدالرحمن: ثكلتك أمك يا مقداد لا يسمعن هذا الكلام منك الناس أما إني والله خائف أن تكون صاحب فرقة وفتنة.
- المقداد: إن من دعا إلى الحق وأهله وولاة الأمر لا يكون صاحب فتنة ولكن من أقحم الناس في الباطل وآثر الهوى على الحق فذلك صاحب الفتنة والفرقة .
وصدق الرسول الكريم حين وصف المقداد بأنه لا يقاس بغيره، وأنه نسيج وحده فقال:" إنما منزلة المقدار بن الأسود في هذه الأمة كمنزلة ألف في القرآن لا يلزق بها شيء " .
عمار بن ياسر العنسي: ت سنة 37 هـ
" صبراً آل ياسر فان موعدكم الجنة".. كلمة قالها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مشجعاً أولئك المعذبين على يد قريش وبقيت تحطم صخور النسيان بازميل الخلود.
أسلم عمار وآمن برسالة رسول الله، وتفاعل معها بكل خلاياه، ورغم الأذى والتعذيب الذي بلغ به إلى درجة أنه لم يكن يدري ما يقول أو يعي ما يتكلم، إلاّ أنه استطاع أن يستوعب توجيهات الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) ويصل في درجات القرب من نهجه وخطه إلى أن يقول فيه الرسول: " عمار جلدة ما بين عيني وانفي"، " إن عماراً مليء إيماناً من قرنه إلى قدمه واختلط الإيمان بلحمه ودمه "، ويخاطبه قائلاً: " إنك من أهل الجنة تقتلك الفئة الباغية "
أيضاً كان كأخوته في الرسالة من المكافحين عن حق علي (عليه السلام) فبعد أن بويع عثمان قام عمار بن ياسر ونادى: يا معشر المسلمين أنا قد كنا وما نستطيع الكلام قلة وذلة فأعزنا الله بدينه وأكرمنا برسوله فاحمد الله رب العالمين يا معشر قريش إلى متى تصرفون هذا الأمر عن أهل بيت نبيكم تحولونه ها هنا مرة وها هنا مرة ما أنا آمن أن ينزعه الله منكم ويضعه في غيركم كما نزعتموه من أهله ووضعتموه في غير أهله.. فقام له هشام بن الوليد بن المغيرة بمنطق العلو الجاهلي، والاستكبار القرشي فقال له: يابن سمية لقد عدوت طورك وما عرفت قدرك ما أنت وما رأت قريش لأنفسها انك لست في شيء من أمرها و إمارتها فتنح عنها.
ولقد كان حساسا للمظالم التي كان يراها من ولاة عثمان وكان يتحدث عنها، مما سبب أن يعتدي عليه أعوان السلطة ويؤذوه.
ختم حياته الشريفة مع أمير المؤمنين (عليه السلام) في صفين، وكان في المعركة لا يأخذ في ناحية إلاّ رأيت أصحاب محمد يتبعونه كأنه علم لهم، وهو يقول لهاشم بن عتبة: يا هاشم تقدم ! الجنة تحت ظلال السيوف، والموت في أطراف الأسنة اليوم ألقى الأحبة محمداً وحزبه والله لو ضربونا حتى يبلغوا بنا سعفات هجر لعلمنا أنا على الحق وانهم على الباطل.
ووقف علي أمير المؤمنين (عليه السلام) يؤبنه بعد شهادته وهو يناهز التسعين:
(إن امرأ من المسلمين لم يعظم عليه قتل عمار بن ياسر ويدخل عليه المصيبة لغير رشيد رحم الله عماراً يوم اسلم ورحم الله عماراً يوم قتل ورحم الله عماراً يوم يبعث حياً، لقد رأيت عماراً وما يذكر من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أربعة إلاّ كان رابعاً ولا خمسة إلاّ كان خامساً).

2/ حواريو الإمام علي (عليه السلام):
تتداخل اسماؤهم مع حواري رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ذلك لأنهم هم الذين ناصروا علياً (عليه السلام)، ووقفوا معه بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).
- فعن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: " ضاقت الأرض بسبعة بهم ترزقون وبهم تنصرون وبهم تمطرون، منهم سلمان الفارسي والمقداد وأبو ذر وعمار وحذيفة (بن اليمان).. وأنا إمامهم " .
غير أن هذه الدائرة تتسع لتشمل عدداً أكبر من أصحاب علي (عليه السلام) هم أولئك الذين أنكروا على أبي بكر جلوسه مجلس الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وتبادلوا معه كلاماً عنيفاً مدافعين عن أمير المؤمنين (عليه السلام) وهم كما عن أبان بن تغلب قال قلت لأبي عبدالله جعفر بن محمد (عليهما السلام) جعلت فداك هل كان أحد من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنكر على أبي بكر فعله وجلوسه ومجلس رسول الله؟ قال: نعم كان الذي أنكر على أبي بكر اثني عشر رجلاً من المهاجرين: خالد بن سعيد بن العاص وكان من بني أمية، وسلمان الفارسي وأبو ذر الغفاري، والمقداد بن الأسود الكندي وعمار بن ياسر وبريدة الاسلمي ومن الأنصار أبو الهيثم بن التيهان وسهل وعثمان ابنا حنيف وخزيمة بن ثابت ذو الشهادتين وأبي بن كعب وأبو أيوب الأنصاري 00) .
وطيلة 25 سنة قضاها أمير المؤمنين (عليه السلام) بعيداً عن الحكم،اشتغل (عليه السلام) بتربية هذه المجموعات من بقي منها، وبتلك العناصر الأخرى التي أعدها الإمام للظروف الصعبة التي علم أنها ستمر على الأمة بعد حكومة بني أمية، وحاجة الإسلام إلى عناصر يجسدون الإسلام ويحفظونه بين الناس، ويقفون مواقف بطولية تكسر جبروت السلطة وطغيانها.. ورغم كثرة المذابح التي قامت بها السلطة الأموية بحيث تحولت مطاردة أصحاب الإمام وكوادر إلى قانون دائم إلاّ أنهم لم يستطيعوا أن ينهوا وجودهم المعنوي بين الناس، ولا يزال التاريخ يحتفظ بمواقفهم البطولية، مشيراً إلى أثر تربية الإمام لهم أمثال كميل بن زياد، وحجر بن عدي، ورشيد الهجري، ومحمد بن أبي حذيفة ونظرائهم.
أويس القرني:
نموذج من الجنود المجهولين، أولئك الذين يعرفهم أهل السماء أكثر مما يعرفهم أهل الأرض. تحدث عنه رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) ولم يره وأخبر عنه أنه يشفع في مثل ربيعة ومضر. انه (رضوان الله عليه) مصداق عدد من الأحاديث الشريفة التي تصف المؤمن بخمول الذكر، وعدم الشهرة بين الناس، وانه لو علم الناس ما لديه لتناولوه بأيديهم.
كان من خيار التابعين مدحه الرسول (صلى الله عليه واله وسلم) إذ أنه كان ذات يوم بين أصحابه فقال لهم: ابشروا برجل من أمتي يقال له أويس القرني فإنه يشفع لمثل ربيعة ومضر.. ثم التفت لعمر وقال له: يا عمر ان أدركته فأقرأه مني السلام.. فبلغ عمر مكانه بالكوفة فجعل يطلبه في الموسم لعله يحج حتى وقع إليه هو وأصحاب له وهو من أحسنهم هيئة وأزينهم جلالاً، فلما سأل عنه أنكروا ذلك عليه قائلين، أتسأل عن رجل لا يسأل عنه مثلك ؟- وكان حينها خليفة- فقال: لِم؟
قالوا: لأنه عندنا مغمور في عقله وربما عبث به الصبيان.
فقال: ذلك أحب إلي.
وعندما أُرشد إلى موضعه وقف عليه وقال: يا أويس إن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقرأ عليك السلام، وقد أخبرني انك تشفع لمثل ربيعة ومضر، فخر أويس ساجداً ومكث طويلاً ما ترقأ له دمعة حتى ظنوا أنه قد مات فنادوه حتى قام من سجدته.. ولما سمع الناس ذلك أخذوا في طلبه والتمسح به.. فكان يقول: ما لقيت أذى مثلما لقيته من عمر يقصد أنه شهره بين الناس..
هكذا كانت حياته.. رجل مغمور، مشغول بعبادته وبرسالته، يخشى الظهور ويبتعد عن معرفة الناس، والشهرة حتى استشهد مع أمير المؤمنين (عليه السلام) في صفين.
فعن الأصبغ بن نباتة قال: كنا مع علي (عليه السلام) بصفين فبايعه تسعة وتسعون رجلاً، فقال: أين تمام المئة ؟! لقد عهد إليّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يبايعني في هذا اليوم مئة رجل.. فبينما هو كذلك إذ جاء رجل عليه قباء صوف، متقلداً بسيفين فقال: ابسط يدك أبايعك، فقال علي (عليه السلام): على ما تبايعني ؟!
قال: على بذل مهجة نفسي دونك.. فسأله: من أنت ؟
قال: أنا أويس القرني، فبايعه فلم يزل يقاتل بين يديه حتى قتل.
وما لبث بعض جنود معاوية أن علموا أن أويساً قد أصبح في جند أمير المؤمنين (عليه السلام) حتى تحولوا إليه، فعن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: لما كان يوم صفين خرج رجل من أهل الشام على دابة فقال: أفيكم أويس ؟ قلنا نعم ما تريد منه؟! قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: أويس القرني خير التابعين بإحسان.. ثم عطف دابته ودخل مع علي (عليه السلام).
أبو ذر الغفاري:
جندب بن جنادة.. ثائرٌ الكل يدعيه، وينتسب إليه، ولكنه يبقى نسيج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وتربية أمير المؤمنين (عليه السلام).. لا نستطيع هنا استقصاء أحواله، والحديث عن حياته.. ولكننا نفهرس.
أحد الأركان الأربعة (سلمان- المقداد- حذيفة- أبو ذر)، حدد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) شخصيته من البداية، ونمى فيه الصفات الجديرة بالكادر الرسالي، الصدق، الثورية والعنف ضد الباطل، ورعى أمير المؤمنين (عليه السلام) بعد الرسول هذه الشخصية التي تركت أثراً بالغاً في حياة الأمة.
- " ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبى ذر يعيش وحده ويموت وحده ويبعث وحده ويدخل الجنة وحده ".
- " أبو ذر في أمتي شبيه عيسى بن مريم في زهده وورعه ".
هذه بعض الأوسمة التي علقها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على صدر حياته، داعياً المسلمين للاقتداء به.. انتمى للرسالة وبايع على أن لا تأخذه في الله لومة لائم، على أن لا يخضع للباطل، وقد وفى مع أن الثمن كان باهظاً في الربذة.
وعلى أساس هذا الانتماء قاوم الانحراف، في المدينة وفي الشام، لا يهم عنده أن يتغير مكانه، المهم أنه هو لم يتغير، كان يلخص الوضع للمسلمين كالتالي:
- " والله اني لأرى حقا يُطفى وباطلاً يحيى وصادقاً مكذَّباً واثرة بغير تقى وصالحاً مستأثراً عليه ".
وكان يذهب إلى معاوية في قصره الخضراء..
- " إن كان من مال المسلمين فهي الخيانة وإن كان من مالك فهو الإسراف "
- " سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: إذا بلغ بنو أبي العاص ثلاثين رجلاً اتخذوا دين الله دخلاً وعباد الله خولاً ومال الله دولا".
كان يعرف قيادته الرسالية في معمعة الأحداث، وكان يوصي الناس بالانتماء إليها. يقول أبو سخيلة: (حججت أنا وسلمان بن ربيعة فمررنا بالربذة فأتينا أبا ذر فسلمنا عليه فقال لنا: إن كانت فتنة وهي كائنة فعليكم بكتاب الله والشيخ علي بن أبي طالب فاني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو يقول علي أول من آمن بي وصدقني وهو أول من يصافحني يوم القيامة وهو الصديق الأكبر وهو الفاروق بعدي يفرق بين الحق والباطل وهو يعسوب المؤمنين والمال يعسوب الظلمة). وهكذا كان في كل المواقف ثائراً رسالياً، مقاوماً للباطل لا يقبل المداهنة ولا المساومة، ورغم محاولة السلطات آنئذٍ احتواءه واستقطابه بالمال مستغلة- كما تتصور- ظرف الفقر والوضع المادي السيئ له.. إلاّ أنه ظل ثابت الانتماء، عنيف الثورة ضد الباطل. فعن الصادق (عليه السلام) قال: (أرسل عثمان إلى أبي ذر موليين له ومعهما مائتا دينار فقال لهما: انطلقا بهما إلى أبي ذر فقولا له: إن عثمان يقرؤك السلام ويقول لك: هذه مائتا دينار فاستعن بها على ما نابك.. فقال أبو ذر: هل أعطى أحداً من المسلمين مثل ما أعطاني ؟! قالا: لا قال: فإنما أنا رجل من المسلمين يسعني ما يسع المسلمين.
قالا له: انه يقول: هذا من صلب مالي وبالله الذي لا إله إلاّ هو ما خالطها حرام ولا بعث إليك بها إلاّ من حلال.. فقال: لا حاجة لي فيها وقد أصبحت يومي هذا وأنا من أغنى الناس.. وقد أصبحت غنياً بولاية علي بن أبي طالب (عليه السلام) وعترته الهادين المهديين الراضين المرضيين الذين يهدون بالحق وبه يعدلون) .
حذيفة بن اليمان العبسي: ت سنة 36 هـ
معرفة العدو الداخلي الذي يكمن في نفس جبهة المسلمين، فينخر كالسوسة الأساس أمر خطير، وكأي جماعة كان بين أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) منافقون تحدث عنهم القرآن الكريم.. ومعرفة هؤلاء لا تتيسر إلاّ للمخلصين الذين تفانوا في الرسالة وأولهم كان حذيفة بن اليمان (رضوان الله عليه)، حيث لقب بـ (صاحب سر رسول الله) و (عارف المنافقين).
منذ أن كان شاباً حاول الالتحاق بجبهة الحق في غزوة بدر مع والده، ولكن المشركين وقفوا في طريقهما وأعادوهما.. شارك في غزوات رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وشاهد بعينه قتل والده على يد المسلمين في معركة أحد خطأ، ولم يتأثر و إنما استغفر للمسلمين.
ولصفاته المتميزة فقد كان يوكل إليه الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) المهمات الصعبة، ففي غزوة الخندق حيث اجتمعت الأحزاب كما تجتمع اليوم لإطفاء نور الله، و أحاطوا بالمدينة ويصف القرآن الكريم الحالة فيقول:( واذ زاغت الأبصار وبلنت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا ) كان الليل قد أرخى سدوله وغرقت المخلوقات في بحر الظلام، وكانت الرياح تهب عاصفة فتضيف إلى سواد الليل وحشة، هنا كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يريد أن يعرف آخر أخبار معسكر المشركين ولكن من لهذه المهمة ؟. أن يذهب في هذا الليل البهيم رجل إلى معسكر الأعداء.. وانتخب الرسول حذيفة وأوصاه أن لا يقتل أحداً ويعود بالأخبار.. ولنترك حذيفة يكمل.. يقول: وأتيت القوم فإذا ريح الله وجنوده تفعل بهم ما تفعل ما يستمسك لهم بناء ولا يثبت لهم نار ولا يطمئن لهم قدر فاني لكذلك إذ خرج أبو سفيان من رحله ثم قال: يا معشر قريش لينظر أحدكم من جليسه؟ فبدأت بالذي عن يميني (قبل أن يحدث العكس) فقلت من أنت؟! قال: أنا فلان.. ثم عاد أبو سفيان وأمر وركب راحلته وأمر جيشه بالرجوع فقلت في نفسي لو رميت عدو الله فقتلته كنت قد صنعت شيئاً فذكرت ما أوصاني به الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) فرجعت وأخبرته بما حدث .
وقد اختص بالرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) حتى عد من الأركان الأربعة.
وكان حارساً لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مع عمار حتى نزلت الآية: (.. والله يعصمك من الناس ) كما كان عارفاً بالمنافقين وعناصر الطابور الخامس بين صحابة الرسول، بعد أن أعلمه بأسمائهم ولم يعلم غيره .. وبعد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) اشترك في عدد من الحروب لفتح البلاد المشركة فشارك في فتح الري، وهمدان، ودينور، وكان قائد الجيش في معركة نهاوند بعد النعمان بن مقرن.
وبعد الرسول كان من المتجاهرين في التشيع، وفي الولاء لأمير المؤمنين (عليه السلام)، وكان على رأس السبعة الذين ساروا على منهاج نبيهم ولم يبدلوا. ولكفاءته وحسن إدارته عينه الخليفة عمر والياً على المدائن واستمر في هذا المنضب رغم كراهة عثمان لذلك حتى قتل عثمان، ووصل الخبر إلى حذيفة وكان مريضاً على الفراش فتحامل على نفسه حتى وصل المسجد وخطب في الناس مبيناً فضل أمير المؤمنين (عليه السلام) داعياً الناس إلى بيعته حامداً الله أن رأى الخلافة تؤوب إليه، وعندما دنت منه الوفاة أوصى ابنيه (صفوان) و (سعيد) أن يلزما أمير المؤمنين (عليه السلام) حتى يستشهدا معه.
- عن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم):
" حذيفة بن اليمان من أوفياء الرحمن " .
وعن أمير المؤمنين (عليه السلام) حينما سئل عن أصحابه، وسئل عن حذيفة قال :
".. علم أسماء المنافقين وسال عن المعضلات حين كفل عنها ولو سألوه لوجدوه بها عالما به ".

3/ حواريو الإمام الحسن (عليه السلام):
الرواية المتقدمة تذكر أن حواري الإمام الحسن (عليه السلام) هما سفيان بن أبي ليلى الهمداني وحذيفة بن أسيد الغفاري، وسوف يأتي فيما بعد أن اسم حذيفة الغفاري يقترن بما يسمى ديوان الشيعة فقد جاء أنه رأى فيه اسمه عند الحسن بن علي وعند علي بن الحسين( عليهما السلام) يقول لما انصرف الحسن (عليه السلام) إلى المدينة بعد الصلح صحبته وكان بين عينيه حمل بعير لا يفارقه حيث توجه.. فقلت له ذات يوم. جعلت فداك يا أبا محمد هذا الحمل لا يفارقك حيثما توجهت.. فقال: يا حذيفة: أتدري ما هو؟ قلت: لا قال: هذا الديوان. قلت: ديوان ماذا ؟ قال: ديوان شيعتنا فيه أسماؤهم، قلت: جعلت فداك فأرني إسمي. قال: فاغد بالغداة.
قال حذيفة: فغدوت إليه ومعي ابن أخ لي وكان يقرأ ولم اكن اقرأ . .
قال: ما غدا بك؟ قلت: الحاجة التي وعدتني. قال: من ذا الفتى الذي معك؟ قلت: ابن أخ لي وهو يقرأ ولست أقرأ، فقال لي: اجلس. فجلست فقال: علي بالديوان الأوسط.. فأتي به فنظر الفتى فإذا الأسماء تلوح، فبينما هو يقرأ إذ قال: هو يا عماه هو ذا اسمي! قلت (حذيفة): ثكلتك أمك انظر أين اسمي فصفح، ثم قال: هو ذا اسمك فاستبشرنا واستشهد الفتى مع الإمام الحسين (عليه السلام) .
وهنا نسجل الأسئلة التالية:
هل هذا الديوان يحتوي على أسماء كل الشيعة؟ أو بعضهم؟! أو الكوادر منهم.. ولماذا لم يكن يفارق الإمام الحسن (عليه السلام) هذا الديوان.. هل كان الشيعة مختفين وغير معروفين ؟!
ماذا يعني تخصيصه (بالأوسط) هل هناك ديوان أكبر أو أصغر؟!
هل نستطيع الاستفادة من أن اسم حذيفة وهو أحد حواري الحسن (عليه السلام) واسم ابن أخيه الذي استشهد مع الإمام الحسين (عليه السلام) وقد مر أن حواري الحسين (عليه السلام) هم كل من استشهد معه).. هل نستطيع أن نسجل هذه الملاحظة أن هذا الديوان يحتوي على أسماء من استشهد مع الحسين (عليه السلام) وهم حواريوه؟!
ورغم أن الحديث يذكر للحسن (عليه السلام) اثنين من الحواريين إلاّ أن من الواضح أن الكوادر التي تربت على يد أمير المؤمنين (عليه السلام) واصلت جهادها وعملها تحت قيادة الإمام الحسن (عليه السلام)، كعمرو بن الحمق، وحجر بن عدي، وجنادة بن أمية وغيرهم، من كان مع أمير المؤمنين (عليه السلام) واستمر مع الحسن (عليه السلام).

4/ حواريو الإمام الحسين (عليه السلام):
تشير الرواية السابقة إلى أن كل من استشهد معه هم حواريوه ولعمري انهم لكذلك فان الطليعة هي التي تبقى حين لا يبقى أحد، وهي التي تصمد حين يفر الآخرون لتنال أعلى الدرجات التي تطلبها عبر الشهادة، وهذا فعلاً ما تم في كربلاء، على أنه يمكن أيضاً أن نرى تلك الفئة الطليعية التي تربت على يد أمير المؤمنين والحسن (عليهما السلام)، وبقيت إلى أوائل إمامة الإمام الحسين (عليه السلام) حين يرسل رسالة عنيفة إلى معاوية مبيناً فيها جرائمه، ويستعرض فيها قتله لتلك الصفوة المؤمنة.
" أو لست القاتل حجراً أخا كندة ؟ والمصلين العابدين الذين كانوا ينكرون الظلم ويستعظمون البدع ولا يخافون في الله لومة لائم، ثم قتلتهم ظلماً وعدواناً من بعدما أعطيتهم الإيمان المغلظة والمواثيق المؤكدة ولا تأخذهم بحدث كان بينك وبينهم ولا باحنة تجدها في نفسك.
أو لست قاتل عمرو بن الحمق صاحب رسول الله (صلى الله عليه وآله) العبد الصالح الذي ابلته العبادة فنحل جسمه وصفر لونه بعدما أمنته وأعطيته من عهود الله ومواثيقه ما لو أعطيته طائراً لنزل إليك من رأس الجبل ثم قتلته جرأة على ربك واستخفافاً بذلك العهد.
أو لست صاحب الحضرميين الذين كتب فيهم ابن سمية انهم كانوا على دين علي صلوات الله عليه، فكتبت إليه ان أقتل كل من كان على دين علي فقتلهم ومثل بهم بأمرك، ودين علي (عليه السلام) والله الذي كان يضرب عليه أباك ويضربك وبه جلست مجلسك الذي جلست ولولا ذلك لكان شرفك وشرف أبيك الرحلتين 000 " .
وأيضاً حواريوه وأنصاره أولئك الذين وقفوا حين خذلته الجموع، وتفانوا فيه حين فني غيرهم في صراعات الدنيا، أولئك الذين يقدر لهم الإمام الحسين (عليه السلام) مجيئهم معه ثم يطلب منهم أن يتفرقوا عنه، ويحللهم من بيعته، ولكنهم يقفون موقفاً واحداً، حفظ للإسلام امتداده واستمراره. فحينما وصل الإمام الحسين (عليه السلام) إلى كربلاء، وخيم ليل العاشر من شهر محرم الحرام قام الإمام (عليه السلام) في أصحابه خطيباً فقال:
" اللهم اني لا اعرف أهل بيت أبر ولا أزكى ولا أطهر من أهل بيتي ولا أصحاباً هم خير من أصحابي وقد نزل بي ما قد ترون، وأنتم ني حل من بيعتي، ليست لي في أعناقكم بيعة، ولا لي عليكم ذمة، وهذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملاً وتفرقوا في سواده، فإن القوم إنما يطلبوني ولو ظفروا بي لذهلوا عن طلب غيري.. ".
فقام إليه عبدالله بن مسلم بن عقيل فقال: يا ابن رسول الله.. ماذا يقول لنا الناس إن نحن خذلنا شيخنا وكبيرنا وسيدنا وابن سيد الأعمام وابن نبينا سيد الأنبياء، لم نضرب معه بسيف ولم نقاتل معه برمح، لا والله أو نرد موردك، ونجعل أنفسنا دون نفسك، ودماءنا دون دمك فإذا نحن فعلنا ذلك فقد قضينا ما علينا و خرجنا مما لزمنا.
وقام إليه زهير بن القين البجلي، فقال: يابن رسول الله وددت أني قتلت ثم نشرت ثم قتلت ثم نشرت، ثم قتلت ثم نشرت فيك وفي الذين معك مائة قتلة وأن الله دفع بي عنكم أهل البيت.
فجزاهم الحسين (عليه السلام) خيراً..
هؤلاء حواريو الحسين (عليه السلام) الذين يوصي الواحد منهم وهو معفر على التراب لا يكاد يطيق النطق، يوصي أخاه بمواصلة المسيرة والدفاع عن إمامه وقائده، ذلك الأمر الذي فعله مسلم بن عوسجة عندما وقع على الأرض يخور بدمه جاء الإمام الحسين (عليه السلام) ومعه حبيب بن مظاهر الاسدي، ووقف على مصرعه، وكان به رمق من الحياة، و أشار إلى حبيب بن مظاهر قائلاً له: أوصيك بهذا.. قاتل دونه حتى تموت.
وقد خلد الشاعر هذا الموقف الرائع بقوله:
نصروك أحياءً وعند مماتهم يوصي بنصرتك الشفيق شفيقاً
أوصى ابن عوسجة حبيباً قال قاتل دونه حتى الحمام تذوقا

ه/ حواريو زين العابدين (عليه السلام) :
استشهد الإمام الحسين ، وحلت شهادته بالأسى على المسلمين، وباليأس على البعض الآخر حيث أوحت إليهم شهادته (عليه السلام) بأن النظام قوي، وقد أدى إلى حدوث حالة من اليأس والقنوط عبر عنها بعضهم قبل شهادة الإمام من أنه إذا قتل واستبيح دمه فلن يكون لمسلم بعده حرمة..
وربما تكون هذه الحالة هي التي عبر عنها الإمام الصادق (عليه السلام) بالردة وأن الناس ارتدوا بعد شهادة الحسين (عليه السلام) إلاّ عدداً من حواري زين العابدين (عليه السلام). فقد جاء عن الصادق (عليه السلام) أنه قال:
- " ارتد الناس بعد قتل الحسين (عليه السلام) إلاّ ثلاثة أبو خالد الكابلي، ويحيى بن أم الطويل، وجبير بن مطعم ثم إن الناس لحقوا وكثروا " وزاد بعضهم إلى هؤلاء (وجابر بن عبد الله الأنصاري) .
ويبدو أن هذه الحالة كانت خاصة بزمن ما بعد شهادة الإمام الحسين (عليه السلام) غير أنها لم تدم، فالرواية بعد أن تذكر الحالة والصفوة الذين صمدوا ولم يتأثروا بشيء لا تلبث أن تستدرك ثم ان الناس لحقوا وكثروا.. وبالتالي فهي كالروايات الأخرى لا تحدد حواري الإمام وطلائعه وإنما تتكلم عن أولئك الذين لم يدخلهم الريب أو اليأس..
وكانت فترة حياة الإمام السجاد حافلة بالعمل التربوي إذ اتخذ من الدعاء وسيلة من أسمى الوسائل لتربية الأفراد، إضافة إلى حرصه على جلب العناصر حتى العبيد إلى بيته وجعلهم تحت تربيته المباشرة لمدة سنة كما يستفاد من رواية البحار من أنه (عليه السلام) إذ دخل شهر رمضان وأذنب أحد مواليه يكتب عنده في كتاب: أذنب فلان كذا ذنب في يوم كذا ثم يجمعهم آخر ليلة في شهر رمضان ويظهر الكتاب ويقررهم أخطاءهم يا فلان فعلت كذا ولم أؤدبك أتذكر ذلك ؟! فيقول: بك يابن رسول الله حتى يأتي على آخرهم.. ثم يقول في وسطهم: ارفعوا أصواتكم وقولوا : يا علي بن الحسين إن ربك أحصى عليك كلما عملت كما أحصيت علينا كل عملنا ولديه كتاب ينطق بالحق لا يغادر صغيرة ولا كبيرة مما أتيت إلاّ أحصاها وتجد كلما عملت حاضراً كما وجدنا كلما عملنا لديك حاضراً فاعف عنا تجده عفواً وبك رحيماً ولك غفوراً ولا يظلم ربك أحداً.
فاذكر يا علي بن الحسين (والكلام لا يزال للإمام السجاد (عليه السلام) ذل مقامك من يدي ربك الحكم العدل الذي لا يظلم مثقال حبة من خردل وكفى بالله حسيباً وشهيداً.
.. وبعد أن يقولوا ويطلبوا له العفو من الله كما عفى عنهم. يعتق رقابهم ويعطيهم جوائزهم ونفقاتهم.. وهكذا كان يعتق في كل سنة حوالي عشرين عبداً ويمن عليهم بالحرية .

6/ حواريو الإمام الباقر والصادق:
يتحد في هذا الدور صحابة الإمام الباقر والإمام الصادق وحواريوهما.
- (فعن الفضل بن عبد الملك قال: سمعت أبا عبد الله يقول: أحب الناس إلي أحياءً وأمواتاً أربعة: بريد بن معاوية المحجلي وزرارة، ومحمد بن مسلم، والأحول وهم أحب الناس إلي أحياءً وأمواتاً) .
- (وعن سليمان بن خالد الاقطع قال: سمعت أبا عبد الله يقول: ما أجد أحداً أحيى ذكرنا و أحاديث أبي (عليه السلام) إلاّ زرارة وأبو بصير ليث المرادي ومحمد بن مسلم وبريد العجلي ولولا هؤلاء ما كان أحد يستنبط هذا.. هؤلاء حفاظ الدين وأمناء أبي على حلال الله و حرامه ).
وبينما يجعل الحديث الأول رابع الأصحاب مؤمن الطاق (الأحول) فانه يجعله في الحديث الثاني أبو بصير: ويتحدث الإمام الصادق (عليه السلام) عن كونهم زينا لأبيه (عليه السلام) أثناء حياته فيقول:
- (ان أصحاب أبي كانوا زيناً أحياءً وأمواتاً اعني زرارة ومحمد بن مسلم ومنهم ليث المرادي وبريد العجلي) .
وفي رواية ثالثة، تتسع دائرة اصحابه وكوادره (عليه السلام) حيث يستعرض الإمام أمام أحد الشاميين قدرة عدد من حوارييه حسب تخصصاتهم، مما ينبئ أن الصادق (عليه السلام) كان قد جعل كل واحد من أصحابه متخصصاً في فن من الفنون على الأقل.
يقول هشام بن سالم: كنا عند أبي عبد الله (عليه السلام) جماعة من أصحابه فورد رجل من أهل الشام فاستأذن فأذن له فلما دخل سلم فأمره أبو عبد الله بالجلوس ثم قال له: حاجتك أيها الرجل!! قال: بلغني انك عالم بكل ما تسأل عنه فصرت إليك لأناظرك.
فقال أبو عبد الله (عليه السلام): في ماذا؟ قال: في القرآن وقطعه و اسكانه وخفضه ونصبه ورفعه، فقال أبو عبد الله: يا حمران (بن أعين) دونك الرجل فقال الرجل: إنما أريدك أنت لا حمران. فقال أبو عبد الله: ان غلبت حمران غلبتني.
فأقبل الشامي يسأل حمران يجيبه.. فقال أبو عبد الله (عليه السلام) : كيف رأيت يا شامي؟ فقال: رأيته حاذقاً ما سألته عن شيء إلاّ أجابني فيه. فقال أبو عبد الله: يا حمران سل الشامي.. فما تركه يكشر.
فقال الشامي: أريد يا أبا عبد الله أن أناظرك في العربية فالتفت أبو عبد الله فقال: يا أبان بن تغلب ناظره. فناظره فما ترك الشامي يكشر.
فقال أريد أن أناظرك في الفقه، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): يا زرارة ناظره فناظره فما ترك الشامي يكشر.
قال: أريد ان أناظرك في الكلام. فقال: يا مؤمن الطاق ناظره،فناظره فسجل الكلام بينهما ثم تكلم مؤمن الطاق بكلامه فغلبه به .
فقال: أريد أن أناظرك في الاستطاعة فقال للطيار: كلمه فيها فكلمه فما تركه يكشر.
ثم قال: أريد أن أكلمك في التوحيد. فقال لهشام بن سالم كلمه...فسجل الكلام بينهما ثم خصمه هشام.
فقال: أريد أن أتكلم في الإمامة فقال لهشام بن الحكم: كلمه يا أبا الحكم فما تركه يريم ولا يحلي ولا يمري...
فبقي أبو عبد الله (عليه السلام) يضحك حتى بذت نواجده.. فقال الشامي: كأنك أردت أن تخبرني أن في شيعتك مثل هؤلاء الرجال؟!
قال (عليه السلام): هو ذاك.. يا أخا أهل الشام أما حمران فحزقك فحرت له (حصرك فتحيرت) فغلبك بلسانه وسألك عن حرف من الحق فلم تعرفه. و أما أبان بن تغلب فمغث (خلط) حقاً بباطل فغلبك، وأما زرارة فقاسك فغلب قياسه قياسك، وأما الطيار فكان كالطير يقع ويقوم، وأنت كالطير المقصوص لا نهوض لك. وأما هشام ابن سالم فأحسن أن يقع ويطير، وأما هشام بن الحكم فتكلم بالحق فما سوغك بريقك .
ونستطيع أن نسجل هنا عدداً من الملاحظات تنفعنا في إلقاء الضوء على بحثنا.
الأولى: اننا هنا أمام عدد من الأصحاب إضافة إلى أولئك الكوادر الذين تضافرت الروايات في مدحهم والثناء عليهم (راجع الروايتين المتقدمتين) فنجد هنا إضافة إلى زرارة ومؤمن الطاق الذين ورد ذكرهما في ما سبق، حمران بن أعين، وأبان بن تغلب، والطيار، وهشام بن سالم، وهشام بن الحكم..
الثانية: ان هؤلاء الكوادر هم من الذين يعتمد عليهم الإمام في مهماته، وقد وزعت عليهم الأدوار حسب كفاءاتهم، ونلاحظ هنا في الرواية أن الإمام هو الذي يعين الفرد الصالح للموضوع المطروح، وتبلغ درجة الاعتماد من قبل الإمام على هؤلاء إنه يقول للشامي: إن غلب أحدهم فانه قد غلب الصادق (عليه السلام)، وإن هذا لمقام رفيع لا يصل إليه هؤلاء الأصحاب إلاّ بعد تربية طويلة حتى يمكن الاعتماد عليهم هذا الاعتماد.
الثالثة: موقف التقييم والنقد الذي اتخذه الإمام (عليه السلام) بعد نهاية المناظرة، فرغم سرور الإمام وتوقعه للنتيجة، وهزيمة الشامي إلاّ أنه لم يترك الفرصة تمر. فبدأ يفصل الطريقة التي جرت على أساسها المناظرة، وفي هذا توجيه لأصحابه إلى أخطائهم لكي تتلافى في المستقبل.
ولا يعني هذا أن حوارييهما (عليهم السلام) هم المذكورون فقط، إذ أن الفترة التي عاشها الإمام الباقر والصادق (عليهما السلام) كانت فترة مناسبة للتربية، ولنشر ثقافة الإسلام بين الناس، وذلك أنها تزامنت مع فترة ضعف الدولة الأموية ثم انهيارها فيما بعد، وبدء قيام الدولة العباسية ونشوئها، مما أعطى أهل البيت (عليهم السلام) فرصة جيدة لتربية كوادر الرسالة..
ولعلنا نلاحظ من خلال استقراء لتاريخ الصادقين (عليهما السلام) أسماء عدد من الصحابة المخلصين كالمعلى بن خنيس الذي كان يقوم بدور مهم في توجيه الجماهير إلى الإمام الصادق (عليه السلام) سواء بأسلوب الدعاء أو بغيره كما يتضح من خروجه أيام العيد إلى الصحراء في زي ملفت للنظر في ذلك الوقت وإن كان أساساً هو الزي المستحب في صلاة العيد، أشعث، أغبر ويرفع كفيه إلى السماء ويدعو بهذا الدعاء:
(اللهم هذا مقام خلفائك وأصفيائك ومواضع امنائك الذين خصصتهم وأنت المقدر للأشياء لا يغالب قضاؤك ولا يجاوز المحتوم من تدبيرك كيف شئت وانى شئت علمك في إرادتك كعلمك في خلقك.. حتى عاد صفوتك وخلفاؤك مغلوبين مقهورين مبتزين يرون حكمك مبدلاً وكتابك منبوذاً وفرائضك محرفة عن جهات شرايعك وسنن نبيك صلواتك عليه وآله اللهم العن أعداءهم من الأولين والآخرين والغادين والرائحين والماضين والغابرين، اللهم العن جبابرة زماننا وأشياعهم واتباعهم واضرابهم وأعوانهم إنك على كل شيء قدير) .
وبلا شك فانه في هذه العملية، إضافة إلى رفضه العملي للسلطة القائمة حيث يذهب إلى الصحراء للصلاة عوض الذهاب إلى المسجد حيث يصلي الوالي، أو الأمير يقوم أيضاً بتوضيح أهم المسائل السياسية مورد الخلاف آنئذٍ بين أصحاب الرسالة وبين الحاكمين.
وهذا الرجل هو نفسه الذي غضب الإمام الصادق (عليه السلام) لقتله غضباً شديداً وذهب إلى الوالي ومعه ابنه إسماعيل، وقتل قاتله. ينقل العلامة المجلسي في كتابه البحار أنه لما أخذ داود بن علي المعلى بن خنيس حبسه وأراد قتله فقال المعلى له: أخرجني إلى الناس فان لي ديناً كثيراً ومالاً حتى أشهد بذلك فأخرجه إلى السوق. فلما اجتمع الناس قال: أيها الناس أنا معلى بن خنيس فمن عرفني فقد عرفني اشهدوا أني ما تركت من مال عين أو دين او أمة أو عبد أو دار أو قليل أو كثير فهو لجعفر بن محمد (عليه السلام)، فشد عليه صاحب الشرطة فقتله فلما بلغ ذلك أبا عبد الله (عليه السلام) خرج مغضباً حتى دخل على داود بن علي وابنه إسماعيل خلفه فقال: يا داود قتلت مولاي وأخذت مالي ؟!
قال: ما أنا قتلته ولا أخذت مالك، فقال: والله لأدعون على من قتل مولاي وأخذ مالي. قال: ما قتلته ولكن قتله صاحب شرطتي.
فقال الإمام: بإذنك أو بغير إذنك؟! قال: بغير إذني.
فقال (عليه السلام): يا إسماعيل شأنك به، فقام له إسماعيل وقطع رأسه .
أبان بن تغلب:
لقي من الأئمة علي بن الحسين، وابنه الباقر، وحفيده الصادق (عليهم السلام)، وكان مبرزاً بني أصحاب الصادق (عليه السلام) في علوم القرآن واللغة العربية، والفقه الحديث والأدب، بل لقد كان له قراءة خاصة به.
من بحر علم الأئمة غرف ما اتسع له قلبه، وقد أوكل إليه الإمام الصادق (عليه السلام) مهمة التبليغ والدفاع عن الرسالة، فقد قيل أنه روى عنه (30) ألف حديث، ولذا كان إذا جاء إلى المدينة تقوضت إليه الحلق، وأخليت له سارية النبي (صل الله عليه وآله وسلم).
وبعد أن فهم الإسلام بشكل مستوعب وجهه الأئمة إلى أن يقوم بدوره في التبليغ ونشر الفكر الإسلامي فقد قال له الإمام الباقر (عليه السلام ) : ( يا أبان اجلس في مسجد المدينة وافت الناس فإني احب أن يرى في شيعتي مثلك ) وقال له الصادق (عليه السلام): ( يا أبان ناظر أهل المدينة فإني أحب أن يكون مثلك من رواتي ورجالي ).. وكان إضافة إلى هذا يوجه الأئمة أصحابهم للتلقي منه، والتتلمذ على يديه، فعن مسلم بن أبي حبة قال: كنت عند أبي عبد الله في خدمته فلما أردت أن أفارقه ودعته وقلت: أحب أن تزودني قال: ائت أبان بن تغلب فانه قد سمع مني حديثاً كثيراً فما روى لك فارو عنّي.
ولقد كان له دور في توضيح المسائل المهمة لدى الناس، فقد كان سريع البديهة، فقد جاءه رجل فقال: يا أبا سعيد أخبرني كم شهد مع علي (عليه السلام) من أصحاب النبي (صلى الله عليه واله وسلم)؟!
فقال له: كأنك تريد أن تعرف فضل علي بمن تبعه من أصحاب رسول الله ؟!
فقال الرجل: هو ذاك.
عندها قال له أبان: والله ما عرفنا فضلهم إلاّ باتباعهم إياه.
ولموقفه الريادي هذا فقد أشاد الأئمة (عليه السلام) بفضله، والثناء عليه وإظهار احترامه أمام الناس، فقد كان الصادق (عليه السلام) إذا دخل أبان عليه قام له واعتنقه ورحب به، وكان يطرح الوسادة له.. ولما أتاه نعيه إذ أنه توفي (رضوان الله عليه) في زمن الإمام الصادق (عليه السلام) سنة 141 هـ، قال: أما والله لقد اوجع قلبي موت أبان .
له عدد من الكتب منها التفسير، منها الغريب في القرآن، وذكر فيه شواهده من الشعر، وله كتاب الفضائل.
زرارة بن أعين: ت سنة 150 هـ.
قيل عنه انه رئيس الشيعة، وأنه أفقه أصحاب الإجماع. ويبدو أنه كان صاحب مدرسة لتخريج الفقهاء والمتكلمين، فمع أنه كان خصماً جدلاً لا يقوم أحد لحجته، وانه كان صاحب إلزام، إلاّ أنه لم ينشغل بالكلام والمناظرات كثيراً كما كان غيره يقوم بهذا الدور كمؤمن الطاق، وهشام بن الحكم.
وكان المتكلمون من الشيعة تلاميذه و أصحابه الذين كانوا يأخذون عنه كما ينقل جميل بن دارج، إذ جلس في درسه محمد بن أبي عمير و بعدها قال له: ما أحسن محضرك وازين مجلسك.. فقال جميل: أي والله إنا كنا نختلف إلى زرارة بن أعين فما كنا حوله إلاّ بمنزلة الصبيان في الكتاب حول المعلم .
وحركة التشيع في أيام ما بعد الإمام السجاد (عليه السلام) كانت تواجه سيلاً عرماً من الثقافات الباطلة والأفكار الدخيلة، ولذلك كان جزء .
كبير من جهاد الإمام الباقر (عليه السلام) وابنه الصادق (عليه السلام) يتركز في مقاومة هذه التيارت الثقافية عبر نشر بصائر الرسالة بين الناس.. وهنا كانت الحاجة ملحة إلى علماء يفهمون الرسالة بعمق، ويحفظون أحاديث أهل البيت لينقلوها إلى الأجيال القادمة كان زرارة أبرز هؤلاء.
إضافة إلى ذلك، كان في زمن الإمام الصادق (عليه السلام) عدد من الانتهازيين الذين استغلوا فرصة صحبتهم للإمام الصادق (عليه السلام لفترة من الوقت، فأخذوا يروون عنه أحاديث كاذبة، ويتأولون معاني أحاديثه بما يتفق مع أهوائهم ومصالحهم، فسببوا لجمهور الشيعة كثيراً من اللبس، والاختلاف.. فكانت الضرورة ملحة لوجود زرارة و أمثاله ممن يستطيعون مواجهة هؤلاء ويستطيع الأئمة (عليهم السلام) أن يوجهوا الناس للأخذ منهم، ولعلنا نجد في الأحاديث الكثيرة التي قالها الصادق (عليه السلام) في حق زرارة ما يبين أهمية دوره في التحرك آنئذٍ:
- "رحم الله زرارة، لولا زرارة لظننت أن أحاديث أبي ستذهب "
- " ما أجد أحداً أحيا ذكرنا وأحاديث أبي (عليه السلام) إلاّ زرارة وأبو بصير ليث المرادي ومحمد بن مسلم وبريد بن معاوية العجلي ولـولا هؤلاء ما كان أحد يستنبط هذا، هؤلاء حفاظ الدين وأمناء أبي على حلال الله وحرامه وهم السابقون إلينا في الدنيا والسابقون إلينا في الآخرة "
وحين يشتد الاختلاف بين جمهور الشيعة بسبب إدخال البعض أهواءهم في تفسير الأحاديث يوجه الإمام الصادق (عليه السلام) أصحابه إلى الأخذ عن زرارة.
فقد دخل الفيض بن المختار على أبى عبد الله (عليه السلام) وذكر له آية من كتاب الله عز وجل فأولها الإمام، فقال له الفيض: جعلني الله فداك ما هذا الاختلاف الذي بين شيعتكم ؟! فقال الإمام: وأي الاختلاف ؟! قال الفيض: اني لأجلس في حلقهم في الكوفة فأكاد أشك في اختلافهم في حديثهم حتى أرجع إلى المفضل بن عمر فيوقفني من ذلك على ما تستريح إليه نفسي ويطمئن إليه قلبي.
. فقال أبو عبد الله (عليه السلام): أجل هو كما ذكرت يا فيض إن الناس اولعوا بالكذب علينا حتى كأن الله افترض ذلك عليهم و اني احدث أحللهم بالحديث فلا يخرج من عندي حتى يتأوله على غير تأويله وذلك أنهم لا يطلبون بحديثنا وبحبنا ما عند الله وانما يطلبون الدنيا وكل يحب أن يكون رأسا.. انه ليس من عبد يرفع نفسه إلاّ وضعه وما من عبد وضع نفسه إلاّ رفعه الله وشرفه فإذا أردت حديثنا فعليك بهذا الجالس. وأومى إلى زرارة بن أعين.
وزرارة كان شديداً على الجهات المنحرفة المتسمية باسم الشيعة، ولذلك قاموا بحملة عنيفة ضده سواء في وضع الأحاديث على لسان الصادق (عليه السلام) ضده، أو في نقل كلام كاذب عنه لتشوبه سمعته.. ومن هنا يقول جميل بن دراج: كنا نعرف أصحاب أبي الخطاب (من الكاذبين على الأئمة) ببغض زرارة وإخوانه .
ولأن الانتماء إلى الرسالة والقيادة الإسلامية الصحيحة كان يعرض الشخص إلى مضايقات شديدة من قبل السلطة الحاكمة لذلك كان الأئمة يستخدمون تكتيكاً خاصاً لكوادرهم الرئيسية، إذ أنهم كانوا أحياناً يعيبونهم وربما يظهرون البراءة منهم صيانة لهم، وحفاظاً على سلامتهم، ولكي لا تكشف العلاقة الرسالية الوثيقة التي تربطهم بالأئمة، وقد فعل الإمام الصادق (عليه السلام) مع زرارة هكذا، وإن كان قد أخبره بخلفية هذا الموضوع و أسبابه كما سيتضح في صفحات قادمة.

7/ حواريو الإمام الكاظم (عليه السلام)
رغم أن الإمام الكاظم (عليه السلام) قائل الحديث الذي افتتحنا به الموضوع عن حواري المعصومين، سكت عن حوارييه وحواري أبنائه الأئمة من بعده.. إلاّ أننا سنحاول- قدر إمكاننا- تتبع حوارييه (عليه السلام).
وإذا شئنا أن نعدد محاولين الإجابة على السؤال المتعلق بالحديث المذكور.. هل أن سكوت الإمام (عليه السلام) عن الاستطراد والحديث عن بقية الحواريين (سواء حوارييه أو حواري من بعده).. هل كانت بسبب التقية، وضرورة الكتمان والحفاظ على أسمائهم، أو أن الأمر هو فعلا كذلك ؟! وأن القضية لا ترتبط بهذا الموضوع ؟.
ونحن مع الرأي الأول لأننا نسجل هنا الملاحظات التالية:
الأولى: لا نعرف وجهاً لتخصيص الأئمة الخمسة بعد الصادق (عليه السلام) بأن سائر الشيعة ينادون معهم (عليه السلام).. هل معنى ذلك أن كل الشيعة هم حواريو الأئمة (عليهم السلام)؟! أو معنى ذلك أن الأئمة هؤلاء (عليه السلام) لم يكن لهم حواريون معينون في زمانهم كما كان للائمة من قبلهم؟!
ثم لماذا لم يناد سائر الشيعة مع الأئمة منذ البداية مع أمير المؤمنين (عليه السلام)؟! هذا إضافة إلى أن سياق الحديث نجده يتغير، فبينما هو في البداية يتحدث عن حواري كل إمام، إذا به ينتقل فيما بعد للحديث عن سائر الشيعة، ومن الواضح أنه ليس جميع الشيعة حواريين للائمة، كما نجد ذلك في الواقع الخارجي، خصوصا مع اختلاف درجات الإيمان والولاء.
الثانية: إننا لو نظرنا إلى زمن الإمام الكاظم (عليه السلام) وما كان يمارسه من أشد أنواع التقية والكتمان، مما كان يتطلبه الوضع السياسي الخانق وأجواء الكبت والإرهاب، بحيث أننا نجد كثيرا من الروايات المنقولة عن الكاظم (عليه السلام) تصدر عادة بأسماء رمزية مثل (قال أبو إبراهيم/ قال الشيخ/ قال العبد الصالح/ قال الرجل/ قال العالم..) وهكذا حين يتحدث عن بني العباس يلقبهم (بني سابع) وسابع كما ترى مقلوب عباس.. وفي هذا العهد بلغ مجموع المدة التي قضاها الإمام (عليه السلام) في السجن حوالي (14) سنة.
في مثل هذه الظروف ليس متوقعاً من حكمة الإمام (عليه السلام) وبصيرته أن يفشي أسماء أركانه وحوارييه الذين يعتمد عليهم ليكونوا طعمة لحريق السلطة.. ولعل الحادثة التي تنقل عن كيفية اتصال الإمام الكاظم (عليه السلام) مع أحد أصحابه وهو هند بن الحجاج حين كان الإمام في السجن، حيث أرسل الإمام أحد سجانه ممن استطاع تغييره واستقطابه للرسالة إليه، وكيفية رفض هند بن الحجاج استقبال ذلك الرجل وإنكاره أي معرفة بموسى بن جعفر- كما توقع الإمام مسبقاً وأخبر الرسول بأنه سوف يقوم بذلك-.
هذه الحادثة قد تكون نموذجا واحدا على كيفية اختفاء أصحاب الإمام وعدم ظهورهم بمظهر المقربين منه.
الملاحظة الثالثة: إن مما يؤيد الرأي الذي نذهب إليه أن هؤلاء الذين ذكرهم الإمام الكاظم (عليه السلام) كحواريين لأبيه الصادق وجده الباقر (عليهما السلام) كانوا في الأغلب غير موجودين في حياة الإمام الكاظم (عليه السلام) إلاّ فترة قصيرة جداً لا تزيد في أكثر الحالات عن سنتين.
فزرارة بن أعين توفي بعد الصادق (عليه السلام) بشهرين أي في سنة 148 هـ وقيل في سنة 150 هـ وبريد بن معاوية العجلي توفي في حياة الصادق (عليه السلام) وقيل بل في سنة 150 هـ
ومحمد بن مسلم الثقفي توفي في سنة 150هـ .
ومات أبو بصير ليث بن البختري في سنة150 هـ .
ومات عبد الله بن أبي يعفور في أيام الصادق (عليه السلام) .
وحمران بن أعين توفي في سنة 130 هـ .
وصرحت الكتب الرجالية عن الباقين أنهم رووا عن الباقر والصادق (عليه السلام) ولم يرووا عن الكاظم (عليه السلام)..
هذا علماً بأن الإمام الصادق عليه السلام) قد توفي في سنة 148 هـ، وعليه فيكون اغلب المذكورين قد توفوا بعده بسنتين، أي لم يكونوا معاصرين لحياة الكاظم (عليه السلام) إلاّ سنتين في أولها.
وعلى هذا فإننا نختار الرأي الأول القاضي بأن سكوت الإمام (عليه السلام) إنما كان تقية وخوفاً على أصحابه من الإيذاء والتصفية، وهذا يكلفنا مزيداً من البحث لمعرفة حواري الأئمة (الكاظم ومن بعده).

8/ حواريو الكاظم و الرضا:
يتداخل أصحاب الإمام الكاظم (عليه السلام) وحواريوه مع حواري الإمام الرضا (عليه السلام) وربما يكون السبب إضافة إلى قصر الفاصلة بين حياة الإمامين (عليهما السلام) حيث توفي الإمام الكاظم سنة 188هـ بينما توفي الإمام الرضا (عليه السلام) سنة 203 هـ أي 15 سنة.
إضافة إلى ذلك فان حواري الإمام الكاظم هم الذين آمنوا بإمامة الإمام الرضا وبايعوه، و أصروا على بيعته في الوقت الذي انتشر فيه مذهب الواقفة، الذين وقفوا على الإمام الكاظم و أنكروا إمامة الإمام الرضا، بينما أصر خلص أصحابه على إعلان بيعتهم للرضا، وقاوموا التيار الواقفي، وأشخاصه كما نرى في الحديث الذي يرويه يونس بن عبد الرحمن أحد حواري الإمامين (عليه السلام)
يقول: مات أبو الحسن (عليه السلام) (الكاظم) وليس من قوامه أحد إلاّ وعنده المال الكثير وكان ذلك سبب وقوفه وجحودهم موته وكان عند زياد القندي سبعون ألف دينار وعند علي بن أبي حمزة ثلاثون ألف دينار.
فلما رأيت ذلك وتبين علي الحق وعرفت من أمر أبي الحسن الرضا ما علمت تكلمت ودعوت الناس إليه، فبعثا إلي وقالا: ما تدعو إلى هذا إن كنت تريد المال فنحن نغنيك، وضمنا لي عشرة آلاف دينار وقالا لي: كُف!
يقول يونس: فقلت لهما أما ما رويناه عن الصادقين (عليهما السلام) انهم قالوا إذا ظهرت البدع فعلى العالم أن يظهر علمه فان لم يفعل سلب نور الإيمان وما كنت لأدع الجهاد وأمر الله على كل حال فناصباني وأظهرا لي العداوة .
فمن الحواريين الذين اختصوا بالكاظم (عليه السلام) علي بن يقطين حيث انه توفي في سنة 182 هـ أي حياة الكاظم، وميزة علي ابن يقطين أنه كان يخدم الرسالة وهو في قلب البلاط العباسي إذ كان بمنزلة رئيس الوزراء في بلاط هارون العباسي ومع ذلك كان يخدم الرسالة، ويبدو أن ذلك كان بتخطيط من الإمام الكاظم (عليه السلام)، إذ أننا نجد أن الإمام يوجه علي بن يقطين لكي ينجو من المواقف المحرجة، كما في قصة الدراعة التي أهداها إليه هارون وأمر الإمام له أن يحتفظ بها ولا يتصرف فيها ومن موقف الوضوء حيث وشي عليه لدى هارون انه يتصل بالكاظم ويتشيع فأراد هارون أن يكشف الأمر عبر معرفته لطريقة وضوئه التي ينبغي أن تختلف شيئاً ما فيما إذا كان يتشيع، غير أن الإمام أمره مسبقاً أن يغير طريقة وضوئه.
بل إنه كان يستأذن الإمام في الاستقالة من العمل داخل البلاط العباسي غير أن الإمام (عليه السلام) نهاه عن ذلك.. كما سيأتي بيانه في فصول ولقد أثنى عليه الإمام ثناءً كثيراً.
- فعن أبي يحيى الكاهلي قال: كنت عند أبي إبراهيم (عليه السلام) (أي الكاظم) إذ أقبل علي بن يقطين فالتفت الإمام إلى أصحابه وقال: من سره أن يرى رجلاً من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فلينظر إلى هذا المقبل فقال له رجل من القوم: هو إذن من أهل الجنة؟! فقال (عليه السلام): أما أنا فأشهد أنه من أهل الجنة
- وعن داود الرقي قال: دخلت على أبي الحسن الكاظم (عليه السلام) يوم النحر فقال مبتدئاً: ما عرض في قلبي أحد وأنا على الموقف إلاّ علي بن يقطين فان ما زال معي وما فارقني حتى أفضت.
ومن حوارييهما (عليهما السلام) يونس بن عبد الرحمن الذي يقول فيه الرضا (عليه السلام): " يونس في زمانه كسلمان في زمانه " وقد قيل أن علم الأئمة انتهى إلى أربعة، آخرهم يونس.
ومن حوارييهما محمد بن أبي عمير، الذي سجن (4) سنوات أو (17) سنة كما عن الشيخ المفيد في الاختصاص، وكان له منزلة عظيمة لدى الأئمة فقد كان يعرف أسماء الشيعة، وطلب من قبل الحكم العباسي ليعترف بأسمائهم فلم يفعل فضرب مئة سوط، وينقل عنه علي بن الحسن بن فضال أن محمد بن أبي عمير أفقه من يونس وأصلح وأفضل .
ومن هؤلاء صفوان بن يحيى الذي يقول فيه الجواد (عليه السلام) وفي محمد بن سنان (رضي الله عنهما برضاي عنهما فما خالفاني وما خالفا أبي (عليه السلام) قط) ، ومنهم الحسن بن محبوب، ومنهم عبد الله بن المغيرة، ومنهم أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي (رضوان الله عليهم).
وهؤلاء الستة باستثناء علي بن يقطين هم من أصحاب الإجماع الذي أجمعت الطائفة على تصحيح ما يصح عنهم.. ومنهم عبد الله بن جندب الذي عاصر ثلاثة من الأئمة وتلقى عنهم وتربى على يدهم، فقد عاصر الصادق (عليه السلام) وأوصاه الإمام بوصايا منها ما نقله ابن شعبة في كتابه تحف العقول وحين يقول للإمام الكاظم (عليه السلام): ألست عني راضياً؟! قال: أي والله ورسول الله والله عنك راض.
ومنهم زكريا بن آدم القمي الذي يترحم عليه الإمام الرضا (عليه السلام) في رسالته لأحد أصحابه قائلاً: (.. ذكرت ما جرى من قضاء الله تعالى في الرجل المتوفي رحمة الله عليه يوم ولد ويوم قبض ويوم يبعث حياً فقد عاش أيام حياته عارفاً بالحق قائلاً به صابراً محتسباً للحق، قائماً بما يجب عليه لله ولرسوله، ومضى رحمة الله عليه غير ناكث ولا مبدل..).
ويلاحظ قلة الأحاديث الواردة عن الإمام الكاظم (عليه السلام) في بيان موقع أصحابه وفضلهم وهذا يرجع إلى ما تقدم الحديث عنه من ظرف سياسي ضاغط.
يونس بن عبد الرحمن: توفي سنة 208 هـ.
هناك فئة من الكوادر متقدمة، تعرف ما لا يعرفه الخاصة، وتتحمل من الأسرار ما لو ظهر للغير لكان لهم شأن آخر مع الرسالة.. هذه الفئة رغم علمها وتقدمها وفضلها قد تبقى مجهولة لدى الكثير حتى من أبناء العمل.
من هذه الفئة المتقدمة في فهم علوم أهل البيت واستيعابها كان يونس بن عبد الرحمن مولى آل يقطين، وقليل من أصحابهم (عليه السلام) حظوا بهذه المنزلة فقد قيل إن علم الأئمة انتهى إلى أربعة: أحدهم يونس، ولعل هذا هو وجه تشبيه الإمام الرضا (عليه السلام) إياه بسلمان، الذي بدوره كان من هذه الفئة. فقد قال الرضا (عليه السلام): يونس في زمانه كسلمان في زمانه.
ولقد عانى يونس بسبب هذا شيئاً كثيراً من جهل عامة الناس بمنزلته وعدم قدرتهم على هضم ما كان يبين لهم من أمور، وانه لامتحان عسير حقاً أن لا يفهم الجمهور كلام المجاهدين بشكل جيد فيصبح مضاداً لهم وحاقداً عليهم، كما يحدث في أحيان كثيرة.
ولهذا السبب كان الإمام الرضا (عليه السلام) يوجهه باستمرار إلى عدم التأثر من المواقف السلبية التي يواجهها من قبل بعض المؤمنين غير الواعين:
فعن أبي جعفر البصري قال: دخلت مع يونس بن عبد الرحمن على الرضا (عليه السلام) فشكا إليه ما يلقى من أصحابه من الوقيعة فقال له الرضا (عليه السلام): دارهم فان عقولهم لا تبلغ.
وعن جعفر بن عيسى قال: كنت عند أبي الحسن الرضا (عليه السلام) وعنده يونس بن عبد الرحمن إذ استأذن عليه قوم من أهل البصرة فأومى أبو الحسن إلى يونس أدخل البيت (بيت مسبل عليه ستر) وإياك أن تتحرك حتى يؤذن لك، فدخل البصريون وأكثروا من الوقيعة وأقول في يونس، وأبو الحسن (عليه السلام) مطرق حتى لما أكثروا قاموا فودعوا وخرجوا فأذن ليونس بالخروج فخرج شاكياً فقال: جعلني الله فداك أنا أحامي عن هذه المقالة وهذه حالي عند أصحابي ؟!
فقال له الرضا (عليه السلام): يا يونس فما عليك مما يقولون إذا كان إمامك عنك راضياً يا يونس حدث الناس بما يعرفون وأتركهم مما لا يعرفون، يا يونس وما عليك أن لو كان في يدك اليمنى درة ثم قال الناس بعرة أو بعرة وقال الناس درة هل ينفعك ذلك شيئاً ؟!
فقال يونس: لا.. فقال (عليه السلام): هكذا أنت يا يونس إذا كنت على الصواب وكان إمامك عنك راضياً لم يضرك ما قال الناس.
وبهذه الكلمات سن الإمام الرضا (عليه السلام) ليونس ولمن يسير على نهجه الطريقة الفضلى للتعامل مع هذه الحالة..
تحدث مع الناس بمقدار ما تحتمله عقولهم.. واترك ما لا يحتملونه. مع ذلك رأي الناس ليس مقياساً فقد يكون مخالفاً للحق.
المقياس هو: صحة المسيرة، ورضى القيادة.
أحمد البزنطي:
ويعرف بابن أبي نصر، لقي ثلاثة من الأئمة: الإمام الكاظم والإمام الرضا والإمام الجواد (عليه السلام)، وهو من الستة من أصحاب الكاظم والرضا (عليه السلام) (أصحاب الإجماع) الذين أجمعت الطائفة على تصحيح ما يصح عنهم، وهذا يبين وثاقته وحسن حاله.
وقد كان عظيم المنزلة لدى الإمام الرضا واختص بالإمام الجواد (عليه السلام)، ولعل الرواية الآتية تبين منزلة الرجل من الإمام حيث أمره بالبقاء دون عدد من إخوانه الذين كانوا معه، واستضافه عنده ليلاً، يقول أحمد: دخلت على أبي الحسن الرضا (عليه السلام) أنا وصفوان بن يحيى، ومحمد بن سنان، فج

فقه العلاقات الإجتماعية
الحياة الشخصية عند أهل البيت (ع)