قال أمير المؤمنين سلام الله عليه (أين أخواني الذين ركبوا الطريق ومضوا على الحق أين عمار وأين أبن التيهان وأين ذو الشهادتين وأين اخوانهم الذين تعاقدوا على المنية وابردى برؤوسهم الى الفجرة قد والله لقوا الله فوفاهم أجورهم).
هذه الكلمات جزء من خطبة خطبها أمير المؤمنين عليه السلام بعد معركة صفين أبن فيها شهداء صفين وذكر منهم على وجه الخصوص ثلاثة اشخاص، عمار بن ياسر وابن الهيثم مالك بن التيهان وذو الشهادتين خزيمة أبن الثابت وقرن بعد ذلك هؤلاء مع الذين مضوا على الحق وارسلت رؤوسهم الى الفجرة) ووصفهم بأنهم أقاموا السنة وتركوا البدعة، شهداء معركة صفين الذين استشهد فيها عدد كبير جدا بالرغم ان التقديرات تتفاوت تفاوت كبير جدا،فكما تقول بعض الروايات التاريخية أن مقدار جيش امير المؤمنين عليه السلام كان نحو 80 الف وقريب منه جيش معاوية وهذا في الحد القليل، بينما قالت روايات تاريخية أخرى ان جيش امير المؤمنين ما يقارب الى 130 الف وكذلك كان جيش معاوية، وهذه التقديرات سواء في هذه المعركة وغيرها من المعارك لا تعتمد على منهج إحصائي دقيق ولا على أصول ولهذا يرد هذا التفاوت الكبير وهذا الامر يتكرر في كثير من المعارك ففي تقدير من شارك في معركة عاشوراء في كربلاء هناك من يقول ان من كان في جيش أعداء الامام الحسين يتفاوت بين عشرة الالاف وثلاثين الف وهو الصحيح انهم كانوا 30 الف عند منهج الامامية وهذا ما يرد في روايتين عن المعصومين سلام الله عليهم، رواية عن الإمام الحسن المجتبى سلام الله عليه حينما يقول(لا يوم كيومك يا أبا عبد الله يزدلف اليك ثلاثون الف) ورواية عن الامام الباقر بعدما ذكر أعداد الذين جاءوا فيذكر بالتفصيل كل قائد من جيش يزيد كم كان معه وكان مجموعهم ثلاثين الف وهو القول المعتمد عند الامامية ولكن تأتي روايات تاريخية تبالغ في عدد جند جيش يزيد فتصل بعضها الى سبعين الف، كما يوجد روايات أخر تقلل وتقول انهم نحو عشرة الاف وهذا كله فيما لم يرد خبر عن المعصومين عليهم السلام لنعتقد أن أخبار المعصومين أخبار عن الواقع الحقيقي وفي غير ذلك يبقى أمر التقدير غير دقيق والاحصاء غير متيسر.
وبسبب عدم الدقة في إحصاء عدد من شارك في المعركة يكون إحصاء عدد من استشهد أيضا غير دقيق ففي معركة صفين قال البعض ان من استشهد من جيش امير المؤمنين سلام الله عليه بلغ 25 الف وقتل نحو 40 الف من جيش معاوية ابن ابي سفيان .
الأسماء المذكورة فيمن استشهدوا من جيش الامام علي عليه السلام من أصحاب النبي صل الله عليه واله نحو 25 او 27.
ومعركة صفين كانت في اول شهر صفر سنة 37 هجرية واستمرت خلال أيام هذا الشهر، في بعض الأيام يشتد فيها القتال وبعض الأيام يتوقف القتال فيها واعظم ليلة فيها كانت ليلة 12 من شهر صفر وعرفت بليلة الهرير، من أوائل الشهداء فيها عمار ابن ياسر وبسبب شهادته اهتداء الكثير الى الحق وتبين كيف ان جيش معاوية بغاة وعلى باطل وعلى غير منهج الحق حينما قال معاوية كلام مضلل يعكس الحقائق (أنما قتل عمار من أخرجه من منزله ) ويقصد به علي ابن ابي طالب فالرسول قال لعمار تقتلك الفئة الباغية فيفسر معاوية ذلك بان سبب قتل عمار هو انضمامه لجيش الامام علي فالسبب لقتله هو كونه مع الامام عليه السلام وهذه الكذبة انطوت على الناس وصدقوا معاوية بان علي هو من تسبب بقتل عمار أبن ياسر وغيره من صحابة رسول الله.
ومن ضمن الشهداء الذين ذكرهم الامام عليه السلام خزيمة أبن ثابت الانصاري عرف بذي الشهادتين لقبه بذلك رسول الله صل الله عليه واله وكان قبل مجيء النبي الى المدينة المنورة ابراهيمي التوجه فكان يعمد الى اصنام اهل المدينة قبل الإسلام يتسلل مع بعض أصحابه فيحطم ما يستطيع ان يحطمه وحينما جاء الرسول للمدينة أمن به وقيل انه بايع الرسول في بيعة العقبة الأولى قبل هجرت الرسول الى المدينة ، كان أيام حج عند الجاهليين فالحج موجود من بقايا الابراهيميين فكان عند منى عند جمرة العقبة فالتقى مع الرسول مع أناس فحدثت بيعة العقبة الأولى وبيعة العقبة الثانية في سنة أخرى، وكان خزيمة من جملة من بايع الرسول صل الله عليه واله في بيعة العقبة الأولى وكان معه جماعة فرجع الى المدينة وهو مسلم مؤمن وأخذ يدعو الى الإسلام وفي السنة الثانية وفد مع جماعة كبيرة من المدينة لتجديد البيعة مع الرسول صل الله عليه واله وحينما هاجر النبي الى المدينة كان ممن استقبل النبي من اهل المدينة ورافقوا رسول الله وحين المؤاخاة اخا الرسول بينه وبين عثمان أبن مضعون وهو من الصحابة الممدوحين عند اهل البيت عليهم السلام والامام علي عليه السلام سمى احد ابناءه عثمان حبا في عثمان ابن مضعون، وسبب تسميته بذي الشهادتين كما يذكر انه قعت حادثة لرسول الله فكما يذكر ان اعرابي جاء بفرس واشتراه الرسول صل الله عليه واله وحينما ذهب النبي لكي يجلب قيمة الفرس بعض القرشيين الذين لم يكونوا مخلصين للنبي قالوا للاعرابي لماذا تبيعه باقل من القيمة التي يستحقها، فقال سأذهب واستقيله أي اطلب الإقالة من البيع فقالوا له انت لا تستقيله فحينما تطلب الإقالة سيكون إقرار منك بانك رضيت بالقيمة التي اتفقت عليها مع الرسول والان تطلب فسخ البيع بل انكر القيمة التي اتفقت عليها مع الرسول وادعي انك بعته بأكثر من ذلك، فحينما جاء الرسول يعطيه الثمن المتفق عليه انكر ذلك وادعى بان قيمته المتفق عليها اكثر من ذلك حينها طلب من الرسول ان يحضر شاهد من طرفه يشهد بالقيمة التي قالها رسول الله فكان خزيمة ابن ثابت حاضر فقال اشهد انه باعك الفرس بالثمن الذي تقوله يا رسول الله، فقال له الاعرابي والرسول كيف تشهد بذلك ، فقال يارسول الله تأتينا بخبر من السماء فنصدقك ولا نصدقك في قيمة فرس، فقبل رسول الله شهادته وجعلها تعادل شهادتين، وهناك قيل ان الرسول أمر باتباع خزيمة متى شهد لاحد وترك من لم يشهد له خزيمة، وهذا فيه اخبار من رسول الله بان شأنه سيكون عظيما وكل ما يفعله حق ويجب اتباعه في فعله وقراراته، فاصبح له مكانه مميزة فلقد شارك رسول الله صل الله عليه واله في معاركه وغزواته وبعد ذلك كان مع الامام عليه عليه السلام في معركة الجمل ومعركة صفين حيث استشهد فيها، للأسف ان بعض كتب مدرسة الخلفاء ضيعوا اثره فقال بعضهم مات في زمن رسول الله والبعض الاخر قال مات في زمن الخليفة الثاني وقيل انه مات في زمن الخليفة الثالث بالرغم من مكانته عند رسول الله فلا يتفق على مدت حياته والهدف من ذلك لكي لا يثبت انه كان مع الامام علي عليه السلام فحينما يذكر انه كان من ضمن جيش الامام عليه سيكون دليل على صحة خط ومنهج الامام عليه وانه سائر على منهج رسول الله فصحابة الرسول ينصرونه ويؤيدونه، وحينما نأخذ بحديث الامام يكون اثبات بان خزيمة بن ثابت كانت شهادته في صفين وان امير المؤمنين كان متألم عليهم ففي نهج البلاغة كما يذكر الشريف الرضي في الرواية يصف فيها حال الامام علي عليه السلام (ثم قبض على شيبته الكريمة وقال اوه على اخواني الذين احكموا القرآن ونبذوا البدعة وحفظوا السنة قد لقوا الله فوفاهم حسابهم)
من الأشخاص الذين استشهدوا في معركة صفين أبن التيهان أبو مالك الهيثم بن التيهان فهوا مدني انصاري أمن بالرسول من البدايات وروى عن رسول الله روايات وهو معروف ومشهور، وكان له مواقف صريحة من البداية ولهذا النبي كان يستعمله على خرص النخل وتقييم قيمتها فيعين الزكاة وغيرها وطيلة حياة النبي كان يعمل في هذا الامر وحينما توفى النبي ارادت الخلافة ان يستمر في عمله فرفض ذلك وقال ما كنت اخرص لاحد بعد رسول الله صل الله عليه واله.
هنا نلاحظ ان قسم من أصحاب الرسول بعد موته طلب الخليفة منهم بان يستمروا بما كانوا يعملونه في زمن الرسول ومنهم بلال ابن رباح الحبشي فقد طلب منه ان يؤذن ورفض ذلك ومع الضغط عليه خرج الى الشام، فحينما الخليفة يبقي من عينهم الرسول في مناصبهم دليل على انهم على حق البعض قبل بالبقاء في عمله بينما البعض اعترض ورفض الاستمرار بسبب ما حصل من ظلم للامام علي عليه السلام واغتصاب الخلافة منه وكما يذكر ان خزيمة بن ثابت كان من ضمن من اعترضوا على اغتصاب الخلافة وخطب في المسجد ليبين رأيه وممن رفض البقاء في عمله هو ابن التيهان انكار لما حدث وحينما حدثت خلافة الامام علي الظاهرية اصبح معه واشترك في معاركه كحرب الجمل وصفين وكانت شهادته في صفين والغريب ان هذا تم تضييع شهادته ومكانها ووقتها في كتب مدرسة الخلفاء فبعضهم يقول انه توفى في أيام الخليفة الثاني او الثالث وبعضهم يقول في زمن الامام علي عليه السلام ولا يوجد إشارة الى قضية صفين وشهادته فيها .
من شهداء صفين أيضا المهاجر ابن خالد ابن الوليد ابن المغيرة المخزومي، ابن المغيرة من قيادات قريش وهو من تسبب في نصر قريش في معركة أحد، خالد ابن المغيرة لديه ولدان المهاجر وعبد الرحمان، عبد الرحمان كان من المبغضين لشيعة الامام علي عليه السلام تم تعيينه والي على منطقة حمص في نفس الفترة التي عين فيها معاوية على دمشق في سنة 18 او19 هجرية أيام الخليفة الثاني واظهر بغضه للموالين لاهل البيت وكان يعذبهم ويؤذيهم كما حدث مع كميل ابن زياد وغيره من الموالين، وحينما عين أمير المؤمنين علي سلام الله عليه على خلافة المسلمين رفض ذلك وتحالف مع معاوية ضد الامام علي وحارب في حرب صفين فكان شديد البغض لأهل بيت رسول الله صلوات الله وسلامه عليهم وعاقبه الله بان موته كان على يد معاوية كما يذكر في كتاب الاستيعاب في تمييز الاصحاب لصاحبه ابن عبد البر وهو من علماء مدرسة الخلفاء .
يذكر انه بقي والي على حمص فترة طويلة من عام 18هجري الى عام 53هجري، معاوية حينما أراد ان يعهد بولاية العهد لابنه يزيد قضى على جميع من هم معارضين له او كان يحتمل ان وجوده يؤثر على إتمام ذلك قضى عليه واولهم الامام الحسن سلام الله، ممن قضى عليهم كان عبد الرحمان دس له السم ، كما انه قتل سعد ابن ابي وقاص الزهري ، فكل من يحتمل انه سينافس يزيد بن معاوية تخلص منه منهم عبد الرحمان فكما قيل انه اجتمع عند معاوية اعيان حمص وكبراءها وقال لهم انه اصبح كبير في السن فيريد ان يعهد الى من يحفظ الخلافة من بعده وكان يهيئهم للقبول بابنه يزيد واليا ولكن البعض اقترح عليه عبد الرحمان بن خالد فرأى فيه منافس لابنه فعهد الى طبيب يقال له ابن اثال وكان يهوديا – ومن الملاحظ ان اكثر الأطباء في الخلافة الاموية والعباسية اما نصارى او يهود او هنود وبالذات الذين يعرفون خواص السموم – فاستدعاء معاوية ابن اثال وقال له اضع عنك الخراج والجزية طيلة عمرك اذا استطعت ان تقتل عبد الرحمان وكان عبد الرحمان في ذلك الوقت يشكي من الحمى فقال له الطبيب ابن اثال علاجك الفصد ففصده بريشة مسمومة وقضى عليه.
وكان أخيه المهاجر ابن خالد من المحبين والمخلصين للإمام علي عليه السلام فشارك في القتال مع الامام عليه السلام في حرب الجمل وصفين واستشهد فيها كما ان ابنه خالد ابن المهاجر ابن خالد ابن الوليد كان من الموالين لأمير المؤمنين واهل بيته وله شعر في شهداء كربلاء يعرب فيها عن حبه للإمام الحسين وانه لو استطاع الالتحاق بالإمام لفعل واستشهد معهم.
هؤلاء الثلاثة كل واحد منهم يمثل شيء ودلالة معينة بينها رسول الله في حياته حينما كانوا معه.
من الأمور التي يوجد عليها استفسار حول معركة صفين هل شارك العباس ابن امير المؤمنين في معركة صفين ام لم يشارك، هناك قولان في هذه المسألة القول الأول نقله صاحب كتاب الكبريت الأحمر وهو كتاب من الكتب المتأخرة ذكر فيه ان أبو الفضل العباس شارك في صفين بالرغم من صغر سنه فمن المشهور ان بني هاشم يحضرون ابناءهم للقتال لكي يتعلمون فنون القتال كما انهم كانوا شجعان ويتقنون فنون القتال وكما يذكر عن أبي الفضل العباس انه كان شجاعا من صغر سنه وكما ينقل قصة العباس مع ابي الشعثاء فكما ذكر انه برز رجل عنده سبعة من الأبناء وبرز كل واحد منهم ويقاتلهم العباس فقتلهم جميعا الى ان خرج والدهم أبو الشعثاء وهو غضبان من هذا الشاب الصغير الذي قتل سبعة من أولاده فحاربه الى ان قتل العباس أبا الشعثاء نفسه.
وكما ذكر الشيخ الكلباسي صاحب دائرة المعارف الحسينية من انه يعتقد بان ولادة أبا الفضل العباس كانت سنة 18 هجرية وليس 26 فيكون عمره 18سنة في معركة صفين حينها من الطبيعي ان يشارك في معركة صفين.
القول الثاني وهو الذي يقول به النوري الطبرسي صاحب كتاب مستدرك الوسائل وهو محدث من المحدثين الكبار ولديه تحقيق في القضايا التاريخية ومما ذكر انه نفى ان يكون العباس ابن علي قد اشترك في معركة صفين وقال انه حصل خلط بين عباسيين فهناك العباس ابن حارث ابن عبد المطلوب وهو في عمر الامام امير المؤمنين علي عليه السلام فهما أبناء عمومه وكان معروف بالشجاعة، فهو من اشتهر بانه شارك في معركة الجمل وصفين وكان طول حياته من المدافعين عن الامام علي عليه السلام، فالعباس ابن امير المؤمنين على رأي النوري لم يشارك في معارك ابيه لأنه كان صغير السن، ولكن دوره في معركة كربلاء كان كبيرا فهو الموازي والمدافع عن الامام الحسين وكما ينقل قول الامام عليه السلام يخاطبه فيقول له : انت العلامة في معسكري اذا انت قتلت يؤل جمعنا الى الشتات وتنبعث عمارتنا الى الخراب.5>