هل الطرق للخالق بعدد انفاس الخلائق؟ 5
المؤلف: الشيخ فوزي السيف
التاريخ: 24/5/1442 هـ
تعريف:

هل الطرق للخالق بعدد أنفاس الخلائق؟

سلسلة الأمثال الخاطئة 5

كتابة الفاضلة أم سيد رضا

حديثنا هذا اليوم أيضاً في سلسلة الحديث عن بعض الأمثال الخاطئة والأقوال الفاسدة التي قد تؤثر في كثير من الناس من غير التفات إلى جهة الخطأ فيها، الأكثر من السامعين بحمد الله هم ملتفتون إلى هذه الامثال وإلى مواضع الخطأ فيها وإلى تلك الأقوال ومواضع الفساد فيها، ولكن نحن نذكر بها ونؤكد ما هو معلوم في أذهان الإخوة السامعين وربما نضيف بعض الجهات التي قد تخفى على البعض.

من الأقوال المنتشرة في هذه الأيام عند المثقفين هذا القول: أن الطرق للخالق بعدد أنفاس الخلائق، وهذه المقولة نجدها كثيراً في كتابات المثقفين الحداثيين، فيسأل البعض أنه من أين وجب علينا أن ننتهج منهج أهل البيت عليهم السلام فالطرق للخالق بعدد أنفاس الخلائق فلا يجب علينا أن نأخذ طريق التشيع للوصول للخالق، أو يقولون لا يجب أن نأخذ الإسلام كطريق للوصول للخالق فالطرق للخالق بعدد أنفاس الخلائق فلا بأس أن نأخذ الطريق اليهودي أو المسيحي أو البوذي وغيره، فيعتقدون بما يسمى بالتعددية الدينية أي الطرق المختلفة للوصول إلى الله، لكن الجواب   والرد على هذا الأمر هو أن هذا كلام غير صحيح وأن الإعتماد على مثل هذه المقولة هو أيضاً غير صحيح.

أولاً: هذه الكلمة (الطرق للخالق بعدد أنفاس الخلائق) ما هي قيمتها وهل هي آية قرآنية أو حديث عن معصوم؟، نجد الجواب بأن هذه الكلمة ليست آية قرآنية وليست حديثاً عن معصوم، فإن حديث المعصوم إن صح وثبت من ناحية سنده ومعناه يكون حكمه كحكم القرآن، ونجد أيضاً أنها ليست رواية بل هي قول من الأقوال.

باحثون يعتقدون أن هذه الكلمة على الإحتمال الأكبر جاءت من طريق أرباب المذاهب الصوفية والطرق الصوفية، فالطرق الصوفية في العالم الإسلامي كثيرة جداً وهي ذات برامج وأساليب خاصة، المعروف منها كثير وأما غير ذات العناوين فأكثر، فلنتفرض الطريقة الشاذلية والطريقة النقش بندية وغيرها من الطرق الغير تابعة لمدرسة أهل البيت عليهم السلام، فكل طريقة لها برنامج من الأذكار والأوراد والأقوال الخاصة، فحتى يكون بينهم نوع من الإنسجام ولا تحدث بينهم معارك ومشاكل، ابتكرت هذه الفكرة بأن الطرق للخالق بعدد أنفاس الخلائق.

بعض علماءنا أيضاً استشهدوا بهذه الكلمة كالشهيد الثاني رضوان الله تعالى عليه وهو شارح اللمعة الدمشقية وصاحب الروضة البهية وشارح شرائع الإسلام ولديه كتاب جداً مهم اسمه مسالك الأفهام في شرح شرائح السلام ويعد من أهم الكتب الفقهية الإستدلالية وهو من علماء التشيع، نجد أنه استشهد بهذه الكلمة في أحد كتبه فقال: أن الإيمان بالله عز وجل له أسباب مختلفة والضابط في ذلك حصول الجزم والإعتقاد لأن الطرق للخالق بعدد أنفاس الخلائق.

ومن علماء أهل البيت عليهم السلام وإن كان يحسب أيضاً على أهل العرفان الشيخ محسن الفيض الكاشاني رضوان الله تعالى عليه وهو عالم من العلماء ومحدث من المحدثين وله كتب كثيرة، لكن هو أيضاً محسوب على أصحاب المسالك العرفانية، نجد نفس الكلام عند الحديث عن الإيمان بالله عز وجل قال: الإيمان بالله والإعتقاد به أمر ضروري وفطري يحصل ب (الطرق للخالق بعدد أنفاس الخلائق).

ومن هؤلاء أيضاً أحد علماء المنطقة وهو عالم جليل الشيخ أحمد آل طوق القطيفي وهو كان في زمانه عالماً كبيراً ومؤلفاً نحريراً وكتبه موجدة ومطبوعة إلى الآن، قال: أن الإنسان مطلوب منه أن يعمل بمرضاة الله عز وجل ومرضاة الله تتحقق بأشكال مختلفة فإن الطريق للخالق بعدد أنفاس الخلائق، أي ان مرضاة الخالق قد تكون بإعطاء المال أو صلاة النافلة أو نفع الناس وخدمتهم، فكل هذه طرق لتحقيق مرضاة الله، وهكذا.

فعلماؤنا بعضهم استشهدوا بهذا الكلام، لكن هناك فرقاً بين ما أخذه علماؤنا الحقيقيون وبين ما يذكر في هذه الأيام عند بعض المثقفين وفي بعض المقالات والغرض مختلف أيضاً، فالموجود عند علمائنا وهو صحيح أمران:

الأمر الأول: ينتهي إلى معنى أن الآيات والعلامات والدلائل الموصلة إلى الله عز وجل كثيرة جداً، أي أن الطرق الموصلة لمعرفة الله هي طرق كثيرة، فقد يكون إنسان أموره بسيطة كالذي يقول له الإمام هل ركبت البحر؟، قال: بلى، قال له: هل كسرت بك السفينة؟، قال: بلى، قال له: فهل تعلق قلبك بأحد حيث لا شيء ينجيك؟، قال: بلى، فقال له الإمام: فذلك هو الله، نجد أن هذا يخاطب وجدان الإنسان وضميره وقلبه حتى يوصله إلى الله عز وجل، أيضاً عندما يقول: البعرة تدل على البعير وأثر الأقدام تدل على المسير أفسماء ذات أبراج وأرض ذات فجاج لا تدلان على اللطيف الخبير؟، فهنا يكون النقاش بنقاش عقلي، وهكذا فالعلماء عندهم برهان النظم وبرهان الحركة وبرهان الصديقين وغيره في علم الكلام حتى يستدلوا ويدلوا الناس على خالقهم، فهذا لا مانع فيه، وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد، فعندما نرى الشجرة نستنتج منها من دقة نظامها وجود خالق لها، وكذلك عندما نرى الحيوان والفضاء والأرض والبحر وغير ذلك، فهنا نقول أن الطرق إلى الله بمعنى العلامات والآيات والدلائل إلى الله بعدد أنفاس الخلائق وأكثر ويكون هذا المعنى صحيحاً.

الأمر الثاني: أن مفردات طاعة الله عز وجل أيضاً كثيرة، فبعدما يتبين لنا النظام الأصلي مثلاً في الإسلام، فلو أنك آمنت بالله عز وجل وسلكت طريق الإسلام فستجد في داخل ذلك مئات الصلوات من مستحبة وواجبة وغير ذلك، كما أن هناك أنواع من الصيام وأنواع من المبرات والخيرات، فهنا نقول أن مصاديق مرضاة الله عز وجل كما قالها الشيخ بن طوق هي كثيرة بعدد أنفاس الخلائق، فلو أن شخصاً كان فقيراً لا يستطيع أن يتصدق فهناك آلاف الطرق غير الصدقة لتحقيق مرضاة الله كالجلوس في المسجد أو التسبيح أو التفكر في عظمة الله، فكل هذه من الطرق الموصلة لمرضاة الله عز وجل، فإن مصاديق مرضاة الله متعددة وكثيرة وهذا كلام صحيح.

الكلام الغير صحيح هو تفسير الطرق للخالق بعدد أنفاس الخلائق على أن الإنسان غير ملزوم بدين معين أو مذهب معين أو فقه معين، فكما قلنا أن هذا الكلام لا هو آية ولا هو رواية بل هو فكرة وكلام أناس، فلا يستطيع أحد أن يعين لنا هذا الكلام الكبير الذي يعارض قوله تعالى: ((الدين عند الله الإسلام))، أو قوله تعالى: ((ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه))، فالكلام الذي يكون في الدين المسيحي هو مناقض ومعارض لما هو في الإسلام، فالدين المسيحي يقول بان هناك ثلاثة أي أن التثليث عقيدة رئيسية عندهم، لكن عندنا قراءة دائمة لسورة الإخلاص لأنها سورة التوحيد (قل هو الله أحد)، فقد قال الله عز وجل مخاطباً المسيحيين: ((لا تقولوا ثلاثة انتهوا))، فكيف يجتمع ان نقول هناك ثلاثة أرباب وهناك رب واحد، فالذي يقول في القرآن الكريم: ((لم يلد ولم يولد)) يعني أن هذه السورة تعتبر هي السورة التي لا يستحب تكرار غيرها في ما بين السور على حسب فتاوى الفقهاء، فعندما يأتي أحدهم ويقول: وقالت اليهود عزير بن الله وقالت النصارى المسيح بن الله فكيف إذاً يجتمعون مع سورة التوحيد؟، إذاً فإن الطرق للخالق بعدد أنفاس الخلائق كما يريد بعض المعاصرين الإستفادة منه في موضوع التعددية الدينية كما قالوا هو غير صحيح.

نعم فإن أمر التعايش الإجتماعي لا مانع فيه، ففي بلاد المسلمين هناك يهود ونصارى وغيرهم من أصحاب الديانات الأخرى فلا بأس أن يتعايش معهم اجتماعياً ما دام لم يكن هنالك حرب فيما بينهم ولا يجوز الإعتداء على الإنسان المسيحي ومحاربته، بل ندعوه بالتي هي أحسن فإن لم يقبل فهذا راجع إليه،، ولكن أن يعتقد أن طريقهم يوصل إلى الله فهذا غير صحيح، فديانتهم كانت صحيحة إلى مرحلة معينة وزمن معين قبل أن يأتي الإسلام وقبل التحريف فيها ولكن بعد مجيئ الإسلام فلن يقبل دين غيره، فما بعث الله نبياً بعد ذلك النبي برسالة جديدة ناسخة لها إلا وهو يعلم أن هذه الرسال السابقة انتهى زمانها، فالإسلام عندما جاء نسخ وألغى ما قبله.

في حديث مفصل عن نبينا المصطفى محمد صلى الله عليه وآله وسلم نستنبط منه شاهدنا بأنه رأى شخصاً من الصحابة كان يقرأ على النبي شيئاً من التوراة، وكان وجه النبي صلى الله عليه وآله وسلم يربد غضباً وقال: ويحك لو بعث موسى بن عمران حياً لما وسعه إلا اتباعي.

إذاً فإن هذا الكلام الذي يذهب إليه البعض من فكر الثقافة وبقية الديانات والمناهج الأخرى بأنها أخلاقية وهدفها وغرضها واحد فإن هذا الكلام لا يصح، والإستشهاد أيضاً بهذا القول (الطريق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق) نجد أن هذه الكلمة ليست كلمة معصومة وفيها معنيين، معنى صحيح وهو الذي أشرنا إليه، وفيها معنى خاطئ هو الذي يراد الإستفادة منه من قبل هؤلاء.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يبصرنا وإياكم في ديننا وأن يزيدنا هداية إنه على كل شيء قدير، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

مرات العرض: 130
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (36)
تشغيل:

حشر مع الناس= نخوض مع الخائضين
خيرا تعمل ..شرا تلقى مثل خاطئ المعنى 6