الامام علي عليه السلام والمارقون
المؤلف: الشيخ فوزي السيف
التاريخ: 21/10/1430 هـ
تعريف:

الإمام علي عليه السلام والمارقون

تحرير الأخ الفاضل محمد عاشور

ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام (فلما نهضت بالأمر نكثت طائفة وقسطت أخرى كأنهم لما يسمعوا قول الله عز وجل تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون في الارض علوا ولا فساد والعاقبة للمتقين بلى لقد سمعوها ووعوها ولكن حليت الدنيا في أعينهم وراقهم زبرجها وزخرفها )

صنف أمير المؤمنين عليه السلام الفئات الخارجة عليه إلى ثلاثة أصناف:

الصنف الأول: الناكثون الذين بايعوا أمير المؤمنين عليه السلام في ضمن البيعة العامة له ثم نكثوا هذه البيعة وتركوا مواثيقهم وشنوا عليه الحرب وهم أهل الجمل كما ذكرنا سابقا في ليلة سبقت .

الصنف الثاني: القاسطون أي الظالمون الجائرون الذين وإن لم يبايعوا لكن بيعة الامام علي لازمة لهم بمن حضر من الناس ولكنهم ركبوا مركب الظلم تبعا للدنيا كما قال أمير المؤمنين (حليت الدنيا في أعينهم وراقهم زبرجها وزخرفها ) 

الصنف الثالث: المارقين أي الخوارج الذين انشقوا على أمير المؤمنين بعد قضية التحكيم وتحولوا إلى فئة عسكرية مسلحة متمردة ومخربة في البداية ثم تحولوا إلى فرقة  كلامية وفقهية في تاريخ المسلمين 

سبب التسمية 

وبحسب ما هو موجود في المصادر الحديثية للمسلمين يرجع بذرة التطرف والخروج والتكفير التي يبتلى بها إلى زمانا إلى زمان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وذلك أن النبي بعد أن قسم غنائم حنين بين المسلمين كان هناك رجل يراقب النبي يقال له ذو الثدية أو ذو الخويصرة   فقال للنبي ( قد رأيت ما صنعت ) فقال له النبي (وماذا صنعت أنا) فقال (لم تعدل بين الناس يا محمد ) فقال له النبي (ويحك إذا أنا لم أعدل فمن ذا الذي يعدل ) وانصرف ذلك الرجل وأشار النبي إليه فقال ( يخرج في الأمة أتباع هذا صلاتكم تهون عند صلاة أحدهم يقرأون القرآن لا يتجاوز تراقيهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية) فقراءة القرآن وحفظه والاهتمام بظاهر الألفاظ فيه كثير لكن لا يتجاوز حالة الصوت والترنم والحفظ إلى المعنى وعمق القرآن ,وهنا تشبيه جميل فهم وإن عبروا إلى داخل دائرة الاسلام والدين لكنهم لم يلتصقوا به ويلامسوه ملامسة قوية بل مروا من وسطه فأول ذكر لموضوع الخوارج بعوان المارقة أو المارقين (يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية) والامام علي استخدم نفس التعبير وقال (ومرق آخرون )

 بعض صفات المارقين التاريخية 

بشكل إجمالي نشير إلى صفات هؤلاء التاريخية ومن الممكن أنها تنطبق على فئات متأخرة في بلاد المسلمين وإن لم تسمى بالخروج لأنه القضية ليست قضية تسميات وإنما واقع الحال فمن الممكن أن نجد شخصا ممن يسمى بالخوارج تصنيفا ولكن فعله لا يتطبق عليهم ومن الممكن أن نجد شخصا يتبرى من الخوارج ليلا ونهارا ولكن يحمل نفس الفكر والطريقة والأسلوب

الصفة الأولى: العبادة الظاهرية

عبادتهم الظاهرية عبادة كثيرة جدا ولكم من غير تقوى داخلية وتفهم فقد ورد في الحديث (ألا لا خير في عبادة ليس فيها تفكر) فالعبادة التي لا يوجد فيها تفكر لله هذه ليست عبادة تامة فإذا استعاض الانسان عن ذكر الله بذكر ظاهر العبادة ( الذين يذكرون الله قياما وقعودا ) عن التدبر في العبادة وأهداف العبادة فالحج يعطي للإنسان إخوة ووحدة وإقبال على المسلمين فإذا بحج هذا الانسان يكرس فيه الحقد على باقي المسلمين وكذلك الصلاة فالمفروض أنها تجعل الانسان قريب من الله ورحيما بالناس ناهية عن الفحشاء والمنكر فإذا بصلاته تجعله يفعل المنكر مع إخوانه المسلمين ويقتل المسلمين ويفجرهم بينما نجد أن القرآن الكريم حين يعبر عن بشاعة هذا الفعل وقبحه (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ )   فمن يقتل شخصا كأنما أعدم البشرية كلها وكما رورد ( كم من تالي للقرآن والقرآن يعلنه ) 

فالعبادة الظاهرية القشرية كثيرة ولكنها لا تنسجم مع القيم والأهداف الدينية التي جاء بها الاسلام.

الصفة الثانية: عدم التعقل والنظر لظواهر الأمور

فهم عبدة للألفاظ والمظاهر ولا يتعقلون أو يفكرون أو ينفذون لما وراء العناوين ففي صفين رفعوا القرآن الكريم على الرماح فجاءوا للإمام علي وقالوا له ( إن لم تجب إلى حكم الله قتلناك ) إلى أن اضطر الامام علي  إلى إيقاف القتال وقال ( ويحكم أنا أعرف بهؤلاء منكم صحبتهم صغارا وعرفتهم كبارا ) 

وفي مسالة التحكيم جاءوا للإمام علي وقالوا له أنت أذنبت ذنبا كبيرا بقبولك التحكيم وعندهم الذي يذنب ذنبا يخرج من الايمان إلى الكفر وهذا من جملة عقائدهم فلا توجد حالة وسط بين الإيمان والكفر فمن يذب ذنبا يتحول من الإيمان إلى الكفر ومن يكفر بنظرهم لا بد أن يعلن التوبة عن كفره فأردوا من الامام علي يعلن عن كفره أمام الناس ويتوب فقال لهم ( ويحكم أبعد إيمان بالله سابقا كل أحد وجهادي مع رسول الله أشهد على نفسي بالكفر ) فأصروا على الامام علي وقاتلوه في النهروان 

وأمير المؤمنين علي عليه السلام بعد انشق الخوارج عليه  من صفين وبعد قضية التحكيم رجعوا للكوفة وازداد غضبهم على أمير المؤمنين فخاطبهم الامام فقال لهم ( أنتم من أجبرتموني ورفعتوا السلاح في وجهي وأردتم قتلي) فقالوا نحن أذنبنا وكفرنا ولا بد لنا من توبة فقال لهم الامام (أنا لم أكفر بالله ) فرجعوا للكوفة 

وبدأت تختمر فيهم بذرة الخروج فبدأوا يعارضون الامام علي فكلما خطب في أثناء صلاة الجمعة كان يقوم أحدهم يا علي (ولقد أوحي اليك والى الذين من قبلك لئن اشرك ليحبطن عملك ولتكون من الخاسرين.) فكان الامام يصمت حين يتكلم وحين يكمل الامام يقاطعه مرة ثانية وثالثة إلى أن قال الامام ( واصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون ) ثم يستأنف خطبته المباركة 

فبعض أصحاب الامام علي قال له هؤلاء يفتعلون المشاكل في الكوفة فإما تعاقبهم وتسجنهم أو تطردهم من الكوفة فقال الامام علي (لا لهم علينا ثلاث خصال لكم علينا أن لا نمنعكم من مساجد الله وأن لا نحتجب الفيء عنكم ما دامت أيدكم في أيدينا وأن لا نقاتلكم ما لم تبدوننا بقتال ) فظلوا على تلك الحال مدة من الزمن إلى أن انسحبوا الى خارج الكوفة في منطقة يقال لها الحروراء ولذلك يلقبوا بالحروريين  حوالي خمسمائة شخص عسكروا بجانب نهر يقال له النهروان و بدأوا يتجمعون ويرسلوا لأصحابهم ممن هم في البصرة وباقي المناطق أن تعالوا حتى وصل عددهم أربعة آلاف شخص وما زال الامام علي ما قام بعمل ضدهم بل يستعد لقتال معاوية مرة بعد أن خان أهل الشام قضية التحكيم وعزلوا أبو موسى الاشعري 

التطور الذي حدث أن الخوارج بدأوا يقطعون الطريق إلى الكوفة فكل من أراد الذهاب للكوفة سألوه عن عقيدته وبمن يؤمن في الخليفة وعلى ضوئها إما يتركوه أو يعاقبوه 

فجاءت امرأتان وهما أم سنان وأم خالد الانصارية تقصدان الكوفة وسألوهما عن الامام علي فذكرتاه بخير فقاموا بقتل المرأتين مع العلم أن قتل النساء عظيم عند العرب وفي الاسلام فالرأي المشهور عند قسم من الفقهاء أن الرجل اذا أرتد ودعا الى ردته يقتل لكن المرأة إذا ارتدت لا تقتل وإنما تحبس ويضيق عليها وتضرب أوقات الفرائض وهذا لإعظام قتل النساء 

وفي قضية أخرى مر عبدالله بن خباب الأرت وهو ابن أحد أصحاب النبي ومعه زوجته وهي حامل متم في شهرها التاسع يقصد الكوفة وسألوه من أنت فقال لهم ابن صاحب رسول الله فقالوا له حدثنا حديثا عن أبيك فقال سمعت أبي يقول أن النبي قال (ستكون فتنة القاعد فيها خير من القائم والنائم فيها خير القاعد ) ثم سألوه عن رأيه في علي بن أبي طالب فقال ابن عم رسول الله وصهره على ابنته وخير الخلق بعده فأثنا على الامام علي فقالوا له (انت لا تعرف الرجال بالحق وإنما تعرف الحق بالرجال ) فوقعت عباءته على الأرض فتناولها وهو خائف منهم فقالوا له لا روع عليك بل أنزل معنا فنزل معهم إلى جانب النهر فذبحوه ذبحا كالشاة وزوجته كانت على حمار فلم رأت زوجها يذبح ضرحت وبكث فأمروها بأن تنزل من على الحمار فبقروا بطنها فماتت الأم وجنينها 

فرأى الإمام علي أن هذا الأمر لا يطاق منهم وكان يرجوا هدايتهم فأرسل إلى رئيسهم عبدالله بن وهب الراسبي وأمره بالتقوى والحافظ على دماء المسلمين فقال قومك قتلوا أربعة من المسلمين وأهاليهم يطالبون بدمائهم فأرسل لنا قتلتهم وينتهي الأمر فأرسلوا إلى الامام (علي كلنا قتلهم ونستحل قتلهم وقتلك معهم ) فذهب اليهم الامام علي بقطعة من جيشه فركز راية بيضاء بيد أبو أيوب الانصاري وقال هذه راية أمان فذهب جمع منهم إلى تلك الراية وخاطابهم مرة أخرى من لم يريد الذهب عند لتلك الراية فليرجع لبيته وهو آمن بل حتى من يغمد سيفه فهو آمن فتراجع جماعة وجماعه أغمدوا سيفهم وأخيرا قال لهم من كان معنا في صفين فليتنحى جانبا ومن لم يشهد صفين يخذ الجانب الآخر فتكلم من كل قسم على حدة فمال له بعضهم فحرص الامام على أن لا يقتل مهما استطاع الى ذلك 

فلما رأى الخوارج هذه المسألة خافوا من تسرب بقية الجيش فنادوا الرواح الرواح الجنة الجنة فهجموا على جيش الامام علي فقاتلهم الامام من باب الدفاع عن النفس فظلوا يقتلوا فيهم فقال أحد أصحاب الامام علي فقال له  لقد عبروا النهر وفروا فقال له الإمام (ما عبروا النهر ولن يعبروه مصارعهم دون النظفة لا يقتل منكم عشرة ولا ينجوا منهم عشرة ) وهي إحدى اخباراته التي صدقتها الحوادث ولما انجلت المعركة فإذا بقتلى جيش الامام سبعة أشخاص وجيش الخوارج قتلوا كلهم إلا تسعة استطاعوا الفرار ومن جملة من قتل ذو الثدية فبحث عنه الامام بين القتلى إلى أن رأى شخصا مكبوبا على وجهه وحركه فإذا بيده فيه هذه العلامة فقال الامام صدق أخي رسول الله محمد 

فقاتل الامام الخوارج ونهى عن قتالهم بعده كما ورد في نهج البلاغة ( الا تقاتلوا الخوارج بعدي فليس من طلب الحق فأخطأه كمن طلب الباطل فأدركه ) فبني أمية يريدوا تجيش الامة لقتال الخوارج بينما الأمويين أسوء حال من الخوارج لأنهم طلبوا الباطل من البداية بينما الخوارج 

وبني أمية قاتلوا الخوارج بعد استشهاد أمير المؤمنين فهذا المهلب بن صفرة اشترط على الأمويين قتال الخوارج فكل مصر أفتحه أناء زعيمه وفيء كل بلد هو لي أتصرف فيه كما أشاء وأنتخب من أشاء فقالوا له لك ذلك وأي هذا كله من الدين

حتى انتقم الخوارج من الامام علي فهذا ابن ملجم ومعه بعض أصحابه كالأشعث بين القيس فهذا الدكتور عبدالرحمن بدوي في كتابه الخوارج والشيعة لا يستبعد أن يكون هناك اتفاق بين عمرو بن العاص وابي موسى والاشعث بن قيس في عملية التحكيم قبل حدوثها 

وهذه إحدى بنات أمير المؤمنين تخاطب ابن ملجم ( ويحك قتل أمير المؤمنين وأهلكت الناس) فقال ( ما قتلت أمير المؤمنين ولكن قتلت علي بن أبي طالب ) بينما الامام علي يوصي ابنه الحسن بابن ملجم ( انتظروا إلى أسيركم أطعموه مما تأكلون اسقوه مما تشربون بني ألا ترى إلى عينيه وقد صارت في أم رأسه هدئوه وطمأنوه .. وإن قتلت من ضربته هذه فأضربوه ضربة بضربة ولا يمثلن بالرجل فإني سمعت رسول الله يقول إياكم والمثلى ولو بالكلب العقور)


مرات العرض: 192
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (2362)
تشغيل:

أول محاكمة سياسية في تاريخ الاسلام ( شهادة الزهراء)
لماذا كان مولد الجواد أعظم بركة على الاسلام