بين رحمة النبي وعقوبات الشريعة الاسلامية
المؤلف: الشيخ فوزي السيف
التاريخ: 28/2/1441 هـ
تعريف:

بين رحمة النبي وعقوبات الشريعة الإسلامية

تفريغ نصي الفاضلة أم سيد رضا

قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ( إنما أنا رحمة مهداة أنا نبي الرحمة )، قال الله تعالى: (( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ))، فهذا خطاب قرآني من الله عز وجل للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومنه إلى البشر في صياغة فريدة ويقال بأنها تقع بين السلب الكلي والإستثناء ويفيد أقصى درجات الحصر والتحديد، فتارة تأتي آية وتقول (( وأرسلناك رجمة للعالمين )) وتارة أخرى تقول (( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ))، فالفرق في الصياغة بين النحو الاول والنحو الثاني هو فرق كبير جداً، فالطريقة الاولى هي إثبات عندما تقول الآية : وأرسلناك رحمة للعالمين )) فلا يمنع أن يضاف إليه أشيء أخرى، بينما الطريقة الأخرى معناها انه لا يوجد شيء آخر من هدف إرسال النبي صلى الله عليه وآله وغاية بعثته إلا أن يكون رحمة فكل شيء يرتبط به هو رحمة، أي أن رسالته رحمة، شخصيته رحمة، سياسته رحمة وعقوبته رحمة لأنه لا شيء فيه غير الرحمة، ويشابه هذا التعبير ما ورد عن النبي محمد صلى الله عليه وآله عندما قال: إنما انا رحمة مهداة، فإنما تعني الحصر والتحديد أي أن النبي كله رحمة ورحمته مهداة من الله عز وجل.

عندما نفصل الآية المباركة: (( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ))، العالمين: جمع عالم فتارة ينظر إليها بأنها تعني البشر فقط، فالبشر أصناف كثيرة وفي فترات زمنية متعددة فلغاتهم وأجناسهم وأزمنة معيشتهم مختلفة ، وتارة أخرى ينظر إليها بأنها تشمل الجن والإنس أي عالم البشر وعالم الجن، فالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مرسل إلى جميع هذه العوالم كلها.

من آثار رحمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الكثيرة جداً هي أن الله تعالى منع عن البشر عقوبة الإستئصال والعذاب الذي كان في حق الأمم السابقة، فقبل بعثة النبي صلى الله عليه وآله وسلم كانت الأمة التي تعصي رسولها ونبيها ينزل عليها عذاب من الله إن اسمرت في عصيانها، فقوم بعث الله عليهم الطوفان وقوم بعث عليهم الجراد والقمل والضفادع وقوم خسف بهم وقوم أرسل عليهم العواصف المدمرة حتى انتهت تلك الأمم، فهذا يسمى عذاب استئصالي على أثر عصيان هذه الامة لنبيها يرسل الله عليها عذاباً ماحقاً وساحقاً، لكن بعد مجيء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أكرم الله الامة بأن منع هذا العذاب الإستئصالي وإنما يعذبون يوم القيامة وينظرون في هذه الدنيا وينسأ لهم فلا ينتهي وجودهم وهذا من أعظم المنن على هذه البشرية ببركات هذا النبي العظيم.

تأتي هنا بعض الأسئلة من قبل متسائلين إما بدافع الإستفسار والإستفهام وإما بدافع التشكيك، وسنشير إليها بإعتبار أن قسما من أبناءنا وبناتها من الممكن أن يتعرضوا لمثل هذه الأسئلة عندما يذهبون إلى خارج البلاد في قضايا الإبتعاث، فمن التحديات التي ينبغي ان يلتفت إليها المؤمنون هو هذا التحدي عندما يذهب ابنه خارج البلاد للدراسة فهذا لا يعني انه خير مطلق ولا يوجد به خطورة فبالرغم من أن به جانب من التحصيل العلمي وارتقاء في الدرجة ففيه أيضاً خطورة بأن تهتز عقائده وتخلخل درجات إيمانه، فبعض أبناءنا قد يتحول إلى المسيحية وسبب ذلك أن هنالك أسئلة تطرح عليه حول رسول الله صلى الله عليه وآله من قبل مدرسيه ولا يملك لها إجابات فصارت لديه شبهة فكرست هذه إلى ان غيرت في إيمانه، لذلك ينبغي على كل أم وأب أن يحرصا على حماية إيمانه وتدينه أشد الحرص وأيضاً عندما يذهب إلى تلك الاماكن عليه مجالسة أهل العلم والجهات التي تعبأ الإشكالات والأسئلة والشبهات وتطرحها على هؤلاء الشباب الذين لا يملكون الاجوبة على أسئلتهم.

من جملة ما يثار في مثل هذه القضايا هو السؤال بأنه كيف للنبي أن يكون رحمة ويأتي بنظام في العقوبات فيه قطع اليد والقتل والجلد وغير ذلك، فالرحمة هي حقوق الإنسان والتي لا تتناسب مع ذلك الأمر وبذلك فإن الدين والنبي لا يكونا رحمة.

إن الجواب على ذلك يطول ولكن نشير إلى بعض الإشارات عليه:

1 – أن الإسلام قبل ان يصنع نظام للعقوبات فإنه يهيأ المجتمع بشكل يسعى فيه ان لا يكون هذا الشاب او تلك الشابة وراء ما يوجب عقوباتهم، فمن لديك شهوة جنسية فعلى أباه أن يزوجه وكذلك فإن الإسلام يطلب من المجتمع تسهيل امر الزواج كما ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ( خير نساء أمتي اقلهن مهراً )، وقوله أيضاً: ( إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه )، فيستطيع أن يشبع شهوته هنا دون الحاجة إلى اتخاذ طريق الحرام، وأيضاً الإنسان الذي يربى على أساس القناعة ويحمل والده وأهله مسؤولية الإنفاق عليه والصرف فإنه لا يجد في نفسه حاجة إلى أن يسلك طريق السرقة حتى تقطع يده، ويجب أيضاً أن يعلم الإنسان على أن حل المشاكل في الدنيا ليست بتصفية الطرفة الآخر وإنما بالكلمة الطيبة والتفاهم الحسن ومنع الغصب والإنفعال فحينها لن يجد ذلك الشاب او الرجل نفسه مسوقة لكي ينتقم ممن يخالفه عن طريق القتل والجرح وغير ذلك.

2 – إن الإسلام يشترط اشتراطات كبيرة جداً ومفصلة في امر ثبوت الجريمة، فلا يقيم الحد على الإنسان بمجرد أن يقال عنه أنه مجرم، فبعض الأحيان يصعب جداً إثبات الجناية والجريمة على الإنسان بل والاكثر من ذلك فإنه يقول للإنسان استتر إن الله ستير يحب الستر، فعندما يرتكب ذلك الإنسان جريمة عليه أن يستغفر ربه وحينئذ لوكان الحق حقاً إلهياً فلن يعاقب كما قال تعالى في كتابه الكريم: (( إلا الذين تابوا من قبل ان تقدروا عليهم ))، فليس مطلوباً من الإنسان أن يعترف امام الناس أنه أجرم أو ارتكب خطأً وإنما يجعل ذلك بينه وبين ربه فعندما يستغفر الله عز وجل ويطلب منه التوبة حينها لن يكون مطالباً إلا إذا كانت جريمته في حق من حقوق الناس، مثل أن يسرق شخص شخصاً آخر فإنه لو تاب عن السرقة لا يكفي ذلك وإنما يحتاج ان يوصل المال لصاحب المال، ولا يشترط عليه بأن يعترف امام الشخص المسروق بانه سرقه ولا يشترط أن يعلن عن ذلك بل المهم هو ان يوصل ذلك المال الذي سرقه لصاحبه بأي طريقة من الطرق حتى وإن كانت بطرق غير مباشرة ويستغفر ربه والله يتوب عليه.

إذاً فإن الإسلام يشترط إشتراطات كبيرة في هذا الجانب حتى لا تثبت الجريمة على الإنسان، فإذا مع كل ذلك ومع تربية الدين والمجتمع لهذا الإنسان بذلك النحو ثم التشدد الكبير جداً أصر الإنسان على جريمته وجب عليه ان يعاقب، كقضية القتل مثلاً فيها أن من يقتل نفساً عمداً ومع سبق الإصرار فإنه يُقتل لأن الرأفة بهذا الشخص هو فتك وتخريب للمجتمع ولن يأمن أحد على دمه ونفسه، وكذلك السارق عندما يسرق ويُترك بدون عقوبة فلن يأمن أحد على أمواله وما يمتلك، فلو نظرنا إلى العقوبات الموجودة في مجتمعنا الآن وهي عندما يسرق الإنسان أو يقوم بتهريب المخدرات وغير ذلك من الجرائم فإنه يُسجن، فبذلك يقوم المجتمع بالصرف عليه لأنه عندما يسجن يتطلب ذلك إنشاء مباني لأجله بالإضافة إلى ذلك الأكل والشراب الذي يقدم له والأشخاص الذي يقومون بالخدمة لأجله من حارس وبواب وغيرهم فهؤلاء لا تأتيهم الاموال من السماء وإنما كلها من الناس، فإن النظام الذي جاء به الإسلام وهو معاقبة المجرم ليبقى عبرة لغيره يجعل الإنسان يفكر كثيراً ولن يقبل بأن يصيبه كما أصاب المجرم الذي قُطعت يده او قُتل، ففي الواقع بأن عقوبات الدين وتشريعاته هو من انحاء الرحمة بالمجتمع ككل وإن كان فيها قسوة ظاهرية على نفس المجرم.

فهذا رد على من يأتي بالإشكالات على ما جاء به النبي صلى الله عليه وآله وسلم من تشريعات للبشر، ولو كان فيها مشكلة لكان الإشكال على الله سبحانه وتعالى لأنه هو الذي جاء بالتشريعات والأحكام وبلغها للنبي، والله سبحانه وتعالى يعلم ما الذي يصلح لعباده وما الذي لا يصلح لهم.

هناك قضية أخرى تشير إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ورحمته وهي ما جاء به بعض المؤرخين من تعامل رسول الله مع يهود بني قريضة، فاليهود في تاريخهم كان شأنهم الخداع والإجحاف، فقد كانوا يعيشون في اليمن وأطراف الجزيرة العربية وكان قسم منهم في فلسطين، فقبل بعثة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بفترة من الزمان كان لديهم في كتبهم بأن هناك نبياً سيبعث في مكة ويستقر في المدينة وهو نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم فظنوا بأن هذا النبي منهم أي من بني إسرائيل فجاؤوا إلى المدينة بإعتبار انها هي التي ستكون مستقر لهذا النبي ومحل هجرته وبناء دولته، فبقوا هنالك ثلاث قبائل هي قبيلة بنو فينقاع وقبيلة بنو النضير وقبيلة بنو قريضة، فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وجاءهم ما عرفوا من الحق جحدوا رسول الله وأنكروا أن يكون هذا هو النبي المبعوث بالرغم من أن علاماته ثابتة عندهم لكنهم قوم جحد، فالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لم يقسرهم على ذلك فجعل اتفاق بينهم حتى تتنظم العلاقة بحيث لا تتم الخيانة والخداع من أي من الطرفين ( المسلمين واليهود ) والذي يخالف ذلك يحق عليه النكال فوافقوا على ذلك إلى أن جاءت إلى حيهم امرأة مسلمة واعتدوا عليها وكشفوها ومارسوا معها اموراً لا تناسب المرأة المسلمة المحتشمة ، فأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بخروج هذه القبيلة أي قبيلة بنو قينقاع من المدينة لأنها قبيلة مجحفة ومعتدية وخائنة فوافقت هذه القبيلة على الخروج.

القبيلة الأخرى وهي قبيلة بنو النضير عندما ذهب إليهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في قضية من القضايا وكانوا حينها متآمرين على أن يلقوا عليه صخرة كبيرة من الأعلى ليموت، وبالفعل بينما النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم كان جالساً معهم أمروا بعض الرجال بإلقاء تلك الصخرة ولكن النبي في تلك اللحظة جاءه الوحي بأن يقوم من هذا المكان فوراً ويرجع إلى المدينة، وعندما رجع النبي إلى المدينة أعلن على قبيلة بنو النضير الحرب لأنهم لا وفاء ولا عهد عندهم.

القبيلة الثالثة وهي قبيلة بنو قريضة عندما حدثت غزوة الخندق اتفقوا مع قريش ومع غطفان وغيرهم بأن يهاجموا النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ويقتحموا المدينة فتنتهي قضية النبوة إلى الأبد، لكن سلمان المحمدي هذا الرجل المخلص أمر أصحابه بأن يحفروا خندقاً وقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم في مقدمتهم وقد نصر الله سبحانه وتعالى رسوله بأن أرسل الرياح على جيش الأحزاب والكفار فكانت الريح إلى حد أنها تكفئ القدر الممتلئ فلم يستطع القرشيون الكفار أن يبقوا في ذلك المكان فهزموا وانقلبوا صاغرين وكفى الله شر القتال عن المؤمنين، فهؤلاء حاولوا أن يحتلوا المدينة وأرسلوا اليهود إلى قسم من النساء المسلمات ويذكر بأن المسلمون في ذلك الوقت أخذوا نساءهم إلى أماكن مرتفعة حتى لا يأتي هؤلاء الكفار وينتهكوهم فنزل صفية بنت عبد المطلب وقتلت واحداً من اليهود، فهندما انتهت المعركة حاصرهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى يخرجوا من المدينة وأمر أن يؤخذ من حزب وشجع على هذا الأمر فتضرب أعناقهم، فأخذ أربعين شخصاً ممن تآمروا مع كفار قريش.

بعض المستشرقون والغربيون ولا سيما من اليهود يقولون بأن الذين قتلهم النبي كانوا تسعمائة شخص فكيف يكون رحمة، لكن الحقيقة التي تشير إليها القضايا التاريخية بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر بقتل أربعين واحداً منهم ممن حرض وحزب وقاد المسألة فعمل النبي ما ينبغي أن يُعمل مع كل خائن.

للأسف إن بعض المعاصرين من المستشرقين أو الغربيين أو غيرهم يجدون في بعض كتب المسلمين روايات غير دقيقة حول هذا الموضوع، ولكن النبي صلى الله عليه وآله ممثلاً للرحمة في أقصى درجاتها ولو خيرنا بين ان نصدق ما قاله الله عنه وبين ما قاله سائر الناس فلا ريب بأننا نصدق القرآن الكريم وخطاب الله المجيد في حق سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

من جملة رحماته صلوات الله عليه هي ما شهد به القريب والبعيد والقاصي والداني عندما دخل إلى مكة المكرمة فاتحاً فحاول كفارها قتله صلى الله عليه وآله ثم لحقوه إلى المدينة وحدثت غزوات كثيرة محاولة في قتله والقضاء عليه، لكنه عندما دخل إلى مكة المكرمة وقد نادى أحد الأنصار بأن هذا هو يوم الملحمة واليوم الذي تُسبى الحرم عندها أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم علياً بأن يأخذ اللواء من عند ذلك الرجل ويقول بأن هذا هو يوم المرحمة واليوم الذي تصان الحرم، فأخذ علي عليه السلام اللواء والراية وأعلن على أهل قريش بأن هذا هو يوم المرحمة، ثم أن البي صلى الله عليه وآله وسلم بعد أن اجتمعوا وكأن على رؤوسهم الطير قال لهم ما ذا تظنون أني صانع بكم؟ قالوا له: نظن خيراً، أخ كريم وابن أخ كريم، فقال لهم النبي: اذهبوا فأنتم الطلقاء.

ومن رحمته أيضاً صلوات الله عليه أنه كان حريصاً على هداية الناس إلى حد إيقاع نفسه في الأذى كما جاء في القرآن الكريم: (( فلعلك باخع نفسك على ءاثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفاً )) أي ان النبي يعرض نفسه للأذى في سبيل هدايتهم والله تعالى يشفق عليه ولا يأمره بتعريض نفسه للأذى لكن الرسول رحمة مهداة وعلى الكفار الذين آذوه فإنه يرفع يدع بالدعاء حتى يدعوا لهم ويقول: ( اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون )، فهذه الرحمة من اول أيامه إلى آخر لحظاته صلوات الله عليه، نسأل الله تعالى ان لا يسلبنا محبته في الدنيا ويرزقنا شفاعته في الآخرة إنه على كل شيء قدير.

مرات العرض: 304
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (42)
تشغيل:

قضية المباهلة : الحادثة والدلالات
ميزات الامامة الشيعية ( الامام العسكري نموذجا )