من عبادة فاطمة الزهراء عليها السلام
المؤلف: الشيخ فوزي السيف
التاريخ: 11/5/1439 هـ
تعريف:

عبادة فاطمة الزهراء عليها السلام


كتابة الأخ الفاضل محمد العرب

تصحيح الأخ الفاضل أبي محمد

   روي عن الرسول صلى الله عليه وآله أنه قال: ( إن ابنتي فاطمة إذا قامت في محرابها زهر نورها لأهل السماء كما تزهر الكواكب الى أهل الأرض ).

   ‏حديثنا - بإذن الله تعالى - يتناول بعض الجوانب من عبادة الصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء عليها السلام، وأنا أقول بعض الجوانب باعتبار أننا لا نحيط بكل ما كانت عليه من العبادة والتوجه إلى الله عز وجل، فإن قسماً كبيراً وواسعاً من حياتها لم يدونه التاريخ ولم ينقله، أضف الى ذلك أن الحالة العبادية في أكثرها هي حالة خفية، ‏تهجدها في الليل بكاؤها توسلها وتعلق قلبها بالله عز وجل هذه ليست من الأمور الظاهرة غالباً ولذلك حتى لو أريد تدوين هذه الامور فإنه يكون من الصعب. ‏نعم كشف لنا شذرات من هنا وهناك وهي تعكس جانبا مما وراء هذه الشذرات والعناوين، نتحدث عن هذا لكي ننظر إلى صفحة مشرقة قابلة للاقتداء من حياة هذه السيدة الجليلة والصديقة الطاهرة.

هل يتيسر للإنسان أن يجمع بين صفات العبادة والعلم بشكل متكامل

     قبل التحدث في تفاصيل هذا الامر، لابد أن نشير إلى نقطة مهمة وهي أننا عندما نتحدث عن فاطمة العابدة وعن عبادة فاطمة فإن هذا يأتي في ضمن مجموعة من الصفات الأخرى، فهو ‏يأتي كجزء من كمال الشخصية ولذلك عندما تجمعه مع سائر الجهات تتعجب كيف يتيسر لهذه الشخصية أن تمارس ‏هذا المقدار من العبادة، ‏معنى ذلك ‏انه قد يعرف إنسان أنه عابد فيتفرغ للعبادة ليلاً ونهاراً يصوم النهار ويقوم الليل ويتهجد ويتعبد ويدعو ويتوسل، ‏لكن لا يوجد لديه جانب علمي، فكثير من الناس يختارون جانب العبادة.

   وقد يكون آخر على جانب عظيم من العلم والمعرفة متفرغ للعلم باحث محقق ولكنه في الجانب العبادي يقتصر على الواجب و مقدار بسيط من ‏المستحبات؛ ‏لأن ذلك العامل الأساسي له وهو العلم قد استوعب عليه كل وقته وحياته.

   وبالنسبة للمرأة -مثلا- قد تنشغل بالاهتمام بزوجها اهتماماً مبالغاً فيه، وهي بذلك تمارس جهاد ‏التبعل ‏فعلاً، تربي أبناءها تربية صالحة، تحافظ على بيتها، تعين زوجها على أمور حياته فتحول هذا البيت إلى جنة.

‏   ولكن مثل هذه المرأة قد لا يتيسر لها أن تصبح عالمة؛ ‏لأن الجانب الزوجي قد استوعب جُل اهتمامها ووقتها، وهكذا من الممكن لكل إنسان أن يأخذ جانباً من جوانب الكمال ويبرع فيه ويذهب في مجاله بعيداً. إلا أن الكمال كل الكمال إذا جمع إنسان كل هذه الأمور من غير أن يقصر في جانب آخر فيصبح في قمة العظمة.

‏   يعني تأتي الى شخصية فتراه في جانب العلم فارس لا يشق له غبار، ‏تجده في جانب العبادة ذاك الزاهد المتبتل العابد، تجده في الاهتمام بمنزله كذلك، تجده في أمر كسب المعيشة كاسب منفق سخي، ‏كل هذه إذا جمعها فعلاً، فهذا يكون إنسانا كاملا. وإلا لو برع الإنسان في جانب واحد من الجوانب فهذا شيء جيد لكن أكثر الناس هم هكذا، ‏يعني تجد إنساناً في بيته من افضل ما يكون إنفاقاً وعطاءً وحناناً وتربيةً وتوجيهاً لكن ‏ليس له دور اجتماعي، ليس له دور علمي، ليسا له دور عبادي.

فاطمة الزوجة والأم والمربية والمعلمة:

   فعندما نتحدث عن عبادة فاطمة الزهراء عليها السلام لابد أن نضم لهذا المعنى سائر الجهات، ‏نضم إليها أن امرأة عمرها إحدى عشرة سنة فصار لديها الطفل الأول ثم الطفل الثاني والثالث والرابع وهكذا، فتاة عمرها خمسة عشرة سنة لديها أربعة أطفال وعندها زوج مشغول بأعباء الرسالة والجهاد، ‏وليس وضعه المادي وضعاً قوياً مع ذلك أدارت بيتها بنحوٍ عندما يتحدث عنها أمير المؤمنين عليه السلام يقول: ( ولقد كنت أنظر إليها فتنجاب عن قلبي ‏الهموم ) ، تأمل حياتها الجهادية في مثل هذا العمر من حيث إدارتها للمنزل، حنانها على الاولاد، تربيتها لهم، تثقيفها لهم وأيضاً اهتمامها بزوجها وبيتها مع ضيق الحال وعدم وجود المادة.

‏   نقل أن الزهراء عليها السلام بالذات في أوائل زواجها كانت تقول: ( لم يكن عندنا إلا جلد كبش ننام عليه في الليل وفي النهار ‏ ‏نبسطه للطعام ) ، ‏هذه الحالة تسبب ضغط على الرجل وعلى المرأة ومع ذلك - في جانب التبعل والحياة الزوجية - تدير الأمر بهذه الطريقة.

‏   الزوج غائب في كثير من الأوقات، أكثر من ثمانين غزوة وسرية في عهد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم حيث شارك أمير المؤمنين عليه السلام في اكثرها خلال عشر سنوات. فوجوده عليه السلام في اكثر هذه الغزوات إلى جانب الوضع المادي الذي لم يكن بالدرجة العالية، ‏فمع ذلك تدير الزهراء المنزل في الحياة الزوجية بالنحو الذي قاله أمير المؤمنين عليه السلام.

‏وهي أيضاً سألته كنوع من الاعتذار - ربما قد بدر منها شيء- في أثناء وصيتها له: ( ما عهدتني كاذبة ولا خائنة ولا خالفتك مذ عاشرتني )

قال: ( معاذ الله أنت‏ ‏أتقى لله وأبر من أن أوبخك بمخالفتي )

‏إضافة إلى ذلك كن النساء يأتين الزهراء عليها السلام ويسألنها، فذات مرة جاءتها امرأة تسأل، وكل ما تجيب الزهراء مسألتها أعادت السؤال كأنها لم تفهم حتى بلغت مراراً -بعضهم قال سبع مرات- فقالت المرأة: كلفتك في هذا. ‏فقالت الزهراء عليها السلام : ( لا، كلما أعدت عليّ زاد لي الثواب والأجر )

   فكانت عليها السلام تجمع الجانب الزوجي والعلمي والسياسي والعبادي وهذا ما يدل على مقدار العظمة والكمال ‏لدى الزهراء عليها السلام.

‏‏ الصحيفة الفاطمية:

‏   الدعاء هو صلة بين العبد وربه، حديث من قبل العبد إلى ربه، ومناجاة واتصال، والدعاء إذا جاء من معصوم يحمل معانٍ كثيرة، يحمل أفكاراً عن الدين والأخلاق وعن الله عز وجل.

‏   ولذلك كانت الأدعية أحد مصادر المعرفة الدينية، بل إن بعض العلماء كانوا يستدلون ببعض ما ورد في الأدعية في بحوثهم الفقهية.

‏   أشرنا في أحد المرات الى أن دعاء الندبة المنسوب إلى المعصومين عليهم السلام يستشهد به بعض أعاظم العلماء في مسألة فقهية دقيقة جداً في بحث المعاملات حول الشرط، هل أن الشرط يشمل الشروط الابتدائية أو لابد أن يكون الشرط تابعاً لأحد العقود؟ وهذا ما يتضح في جملة ( بعد أن شرط عليهم الزهد في درجات هذه الدنيا الدنية فشرطوا لك ذلك ).

   إذن الدعاء بحد ذاته ليس مجرد أن أقول ( يا الله اصرف عني ) وهذا ما يميز بين أدعية المعصومين وبين أدعية غيرهم، ‏فعندما نقرأ دعاء من هنا أو هناك من غير المعصومين نجدها خاوية من المعاني الدينية.

   وهناك من جمع أدعية الصديقة الزهراء عليها السلام في كتابة بعنوان الصحيفة الفاطمية محاولاً أن يتتبع ما هو موجود من أدعية للزهراء عليها السلام، ‏ويظهر أنه ليس كل ما كان للزهراء عليها السلام من أدعية موجود في هذه الصحيفة فهناك السيد الأبطحي والتويسركاني، كلاً منهما له صحيفة ‏فاطمية، ‏وحبذا لو قام أحد المؤمنين بطباعة الصحيفة الفاطمية وتوزيعها على الناس حباً للزهراء لنشر فكرها، فلله الحمد الصحيفة السجادية منتشرة بين المؤمنين ولكن الأمر ليس كذلك مع الصحيفة الفاطمية، ‏ربما مجموعة من الناس لا تعلم أن هناك كتاباً مجموعاً باسم الصحيفة الفاطمية، وإن كانوا يعلمون عن الصحيفة ولكن من العسير الحصول عليها.

‏   فهذه الصحيفة الفاطمية تحوي أدعية الأيام الخاصة بالصديقة الزهراء عليها السلام وأدعية في طلب الحوائج، وهناك أدعية في المناجاة والتضرع الى الله عز وجل، وهناك دعاء طويل ومفصل في كيفية الصلاة على النبي محمد صلى الله عليه واله وسلم، ‏لأن أمر تعظيم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإعلاء منزلته واحترام ذكره، يخالف ما سلكه الطواغيت والمنحرفون في تاريخ الإسلام من أنهم أرادوا القضاء على ذكر النبي صلى الله عليه واله وسلم.

   أحدهم قال وهذا ابن أبي كبشة يصرخ به في كل يوم خمس مرات يقصد النبي صلى الله عليه وآله وسلم - وابن أبي كبشة شخص جاء في زمن الجاهلية وعارض الجاهليين في أفكارهم - فكأنما القائل يصعب عليه أن يقول هذا محمد بن عبد الله يصرخ به على المنابر والمنائر في كل يوم في الأذان عدة مرات فأحال الأمر إلى ابن أبي كبشة، ‏وهناك طاغية آخر قال ما بالهم يطوفون بأعواد ورمة يقصد قبر النبي صلى الله عليه وآله. وعلى هذا المعدل، وإلى الآن في قضية فصل الـ ( آل )عن النبي صلى الله عليه وآله في الصلاة عليه ضمن هذا الإطار.

   تعلمنا الزهراء عليها السلام في مثل هذه الأدعية كيفية الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله.

فأنا انتخبت الفقرات التالية لكي نتبين هذا الامر. تقول عليها السلام:

( اللهم صلّ على محمد كما هديتنا به وصلّ على محمد كما رحمتنا به وصلِّ على محمد كما عززتنا به وصل على محمد كما فضلتنا به وصل على محمد كما شرفتنا به وصلى على محمد كما بصرتنا به وصل على محمد كما أنقذتنا به من شفا حفرة من النار، اللهم بيض وجهه وأعل كعبه وأفلج حجته وأتمم نوره وثقل ميزانه وعظم برهانه وافسح له حتى يرضى وبلغه الدرجة والوسيلة من الجنة وابعثه المقام المحمود الذي وعدته واجعله أفضل النبيين والمرسلين عندك منزلة ووسيلة واقصص بنا أثره واسقنا بكأسه وأوردنا حوضه واحشرنا في زمرته وتوفنا على ملته واسلك بنا سبله واستعملنا بسنته غير خزايا ولا نادمين ولا شاكين ولا مبدلين )

‏   هذا نموذج من أدعيتها التي تحمل فيها بالإضافة إلى طلب الصلاة من الله على النبي جانبا من دور النبي في الأمة ومن عطائه للمسلمين.

‏   أيضا نقل المرحوم الشيخ باقر شريف القرشي ‏جانباً من أدعية الزهراء عليها السلام في كتابه القيم موسوعة سيرة أهل البيت عليهم السلام في الجزء الخاص بالزهراء عليها السلام.

‏   أما جانب العبادة الأخرى بمعنى الصلاة والتهجد والتعبد، فتارة ننقل عن رسول الله صلى الله عليه وآله وتارة ننقل عن الله عز وجل وتارة ننقل عن عامة الناس.

عبادة الزهراء عليها السلام كما يصفها رسول الله صلى الله عليه وآله:

   ما ننقله عن رسول الله، فالحديث الذي ذكرناه في أول المجلس: ( أما ابنتي فاطمة فإنها متى قامت في محرابها بين يدي ربها جلّ جلاله، زهر نورها لملائكة السماء كما تزهر الكواكب لأهل الأرض )

‏   وأما ما يقوله الله عز وجل فحسب ما ينقل النبي في تتمة الحديث: ( ويقول الله عز وجل لملائكته: يا ملائكتي انظروا الى أمَتي فاطمة سيدة إمائي، قائمة بين يدي ترتعد فرائصها من خيفتي - هذا وهي الآمنة والمؤمنة وبنت النبي وسيدة النساء وهذا هو مقامها وحالها بين يدي الله عز وجل- ‏وقد أقبلت بقلبها على عبادتي وأشهدكم أني قد آمنت شيعتها من النار )

‏اللهم اجعلنا من شيعتها وشيعة أبيها وبعلها وبنيها وثبتنا على ولايتهم.

‏   وفي حديث آخر عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: ( إنها لتقوم في محرابها فيسلم عليها سبعون ألف ملك من الملائكة المقربين، فيقوم الملائكة ينادونها بمثل ما نادت الملائكة مريم فيقولون: يا فاطمة إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين )

‏ونلاحظ انتقال فاطمة من بيت أبيها إلى بيت أمير المؤمنين بعد زواجها وكانت بين السن العاشرة والثانية عشرة وقالت لأمير المؤمنين: ( يا علي تفكرت في حالي عند ذهاب عمري ونزولي في قبري فشبهت دخولي في فراشي  ‏بمنزل كدخولي الى لحدي وقبري، فأنشدك الله إن قمت إلى الصلاة فنعبد الله تعالى هذه الليلة ).

   فيستحب للزوجين في ليلة الزفاف أن يصليا ركعتين ويدعوان الله تعالى أن يرزقهما الود والسعادة والذرية الصالحة.

‏   فالبعض - البعيد إن شاء الله - يقول: هي ليلة واحدة لا بأس بالقليل من الغناء والمحرمات، فشتان بين المثالين، ليلة العمر ينبغي أن تكون ليلة طاعة وتوجه إلى الله،‏ فأهم ليلة ينبغي أن تكون لله ويسأل الله تعالى التوفيق والمعونة في هذه الحياة الجديدة.

   ‏إن انتقالات الإنسان الحقيقية في هذه الحياة لا تتجاوز ثلاثة أمور انتقال من بطن أمه إلى الدنيا، ومن بيت عائلته إلى بيت الزوجية، ومن الدنيا إلى قبره.

   روي عن الإمام الحسن أنه قال: ( رأيت أمي فاطمة قد قامت ليلتها فلم تزل راكعة وساجدة حتى طلع الفجر، وسمعتها تدعو لكل الناس فلما انفتلت، قلت لها يا أماه: رأيتك قد دعوت لسائر الناس ولم تدعي لنفسك! فقالت: يا بني، بلى، الجار قبل الدار )

‏   وروي عن أهل البيت عليهم السلام أن الإنسان إذا دعا لأخيه المؤمن بظاهر الغيب رد عليه ثلاث مئة مرة ما دعا به لصاحبه.

ونسأل الله أن يجعلنا مشمولين بدعاء هؤلاء الصديقين المعصومين سلام الله عليهم إذ جعلنا أنفسنا في شيعتهم ومحبيهم وتابعيهم.

هذه المرأة العظيمة التي يعبر عنها بعض علمائنا كالشيخ محمد حسين الأصفهاني - قدس سره - في قصيدته الأنوار القدسية:

جوهرةُ القـدس مـن الكنـز الخـفـي      بـدت فابــدت عاليـات الأحــرفِ

وقـد تجلّـى مـن سمـاء العظـمــة                مـن عالــم الأسماء اسمـى كَلِمَـهْ

بـل هـي اُمّ الكلـمات المـحـكمــة         فـي غيــب ذاتهـا نكـات مبهـمة

مرات العرض: 545
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (115)
تشغيل:

قضية الغدير حديث الأرقام والأئمة الكرام
من علم فاطمة الزهراء عليها السلام