العباس بن عبد المطلب عم النبي المصطفى
المؤلف: الشيخ فوزي السيف
التاريخ: 15/9/1436 هـ
تعريف:


العباس ابن عبد المطلب عم النبي المصطفى (ص)


كتابة الأخت الفاضلة فاطمة قانصو

تصحيح الخطيب الفاضل فتحي العبد الله


روى الشيخ المحدث النوري في مستدرك وسائله عن رسول الله (ص) أنه قال : 
(من أذى عمي العباس فقد أذاني فإن عم الرجل صنو أبيه )  [1]
حديثنا يتناول بعض الجوانب من سيرة عم رسول الله و عديله أيضا وهو العباس بن عبد المطلب ابن هاشم الذي توفي سنة 32 هـ في أيام الخليفة الثالث و لم يدرك الخلافة الظاهرية لأمير المؤمنين (ع) بالرغم من أنه كان يتمناها له منذ البدايات وقد عُمّر العباس و امتد عمره إلى 81 سنه ,

العباس عم النبي وعديله

بالإضافة الى كونه عماً لرسول الله كان ( عديلٌ بحسب التعبير الدارج) لرسول الله (ص) بمعنى ان زوجتي النبي و العباس أختان فإن زوجة العباس أم الفضل ( لبابة بنت الحارث) و أختها ( ميمونه بنت الحارث ) و هي زوجة النبي (ص) . و هذه المرأة إحدى نساء النبي و هي من أمهات المؤمنين و بالرغم من أنها لم تكن قد بقيت مع رسول الله (ص) إلا فترة قصيرة من الزمان حيث تبلغ فترة بقائها مع النبي حدود ثلاث سنوات إلا أنها تعد من النساء الفضليات في زوجات رسول الله (ص) و كانت لها مواقف طيبة من أمير المؤمنين (ع) وهي من راويات احاديث فضائله ،و الإشارة إلى تقدمه على غيره .[2]

دور العباس في زواج ميمونة بنت الحارث من رسول الله

لم تكن قد بقيت مع رسول الله (ص) إلا فترة قصيرة من الزمان حيث تبلغ فترة بقائها مع النبي حدود ثلاث سنوات ، وهي التي كانت ترغب في رسول الله (ص) قبل زواجهما ـ وقد أفضت في ذلك إلى أختها لبابة أم الفضل زوجة العباس فنقلت أختها هذا الكلام لزوجها العباس بن عبد المطلب و العباس عرض هذا الأمر على رسول الله (ص) فأجابها الرسول إلى ذلك وتزوجها .[3]

العباس بن عبد المطلب والنظرة السوداوية له
لدى العباس بن عبد المطلب في صورته العامة في الذهنية المسلمة و لا سيما في الذهنية الشيعية متأثرة سلباً لمواقف أحفاده من الخلفاء العباسيين الذين دخلوا في صراع مرير و عنيف و متوحش مع أئمة أهل البيت عليهم السلام وعموم أبناء أبي طالب فلم يكتفوا بإقصائهم من الحكم و إنما تتبعوهم بالقتل و التشريد و السجن و الاغتيال في أمر لم يصنعه بهذا الحجم حتى بنو أمية و لذلك قال القائل : ( تالله ما فعلت أمية فيهم معشار ما فعلت بنوا العباس ) ولا ريب أن هذا ترك ظلال غير حسنة على جدهم الأعلى العباس ابن عبد المطلب وأثر على شخصيته و لهذا قد تجد بعض المؤمنين كما ذكر لي يقول : { أنا اذا سلمت على أعمام النبي إذا وصلت على العباس اتوقف قليلا ، لا اعلم لماذا } 
بينما لا ينبغي هذا فإن مواقفه كانت في غاية الجودة .

 

حول سيرة العباس ابن عبد المطلب
لنبدأ من البدايات في تاريخ و سيرة عم النبي هذا العباس ابن عبد المطلب هناك فكرة يذكرها المرحوم أية الله سيد تقي الحكيم رحمه الله وهو من العلماء الفقهاء الذين ربوا أجيال من العلماء من بعدهم و له كتابات مهمة في الفقه والفقه المقارن والأصول و التاريخ حتى يذكر فكرة سنجعلها بداية حديثنا يقول :  إن الاسرة الهاشمية عندما بدأ النبي دعوته صارت في اتجاهين :
الاتجاه الاول : المواجهة الصريحة والعلنية والدفاع عن رسول الله (ص)

كان هذا الاتجاه يذهب في المواجهة مع أعداء الدعوة المحمدية إلى أخر المديات إلى القتال و إلى المواجهة الصريحة ، وكان يمثل هذا الخط ( علي و حمزة و جعفر ) و أمثال هؤلاء ، وهذا لا يوجد عنده أي شيء أخر غير التصدي الصريح و الواضح حتى لو كان القتال .

الاتجاه الثاني : الإيمان الخفي برسالة النبي (ص)
و هذا التوجه الآخر في هذه الأسرة الهاشمية يعود إما لطبيعة بعض شخصياتها و وجودهم الاجتماعي وإما لطبيعة الدور الذي كان ينتظر منهم القيام به . هذه الفئه اتخذت طريق الإيمان الخفي برسول الله  (ص) وعدم المواجهة الصريحة و البقاء بحسب الظاهر كما لو كانت مع قريش و أما في الواقع فكانت مسلمة و مدافعة عن الدعوى المحمدية و يقول أن في طليعة هؤلاء كان ( أبا طالب و العباس بن عبد المطلب ) فهؤلاء لم يظهروا إسلامهم و لم يتصدوا إلى مواجهة صريحة مع كفار قريش بناء على هذا التوجيه و التحليل التاريخي حيث ينظر اصحاب هذه الفكرة إلى أن العباس كان مسلماً من البدايات ولكن لم يظهر إسلامه، ويشيرون في هذا الاتجاه إلى أن العباس عندما جائه رسول الله (ص) وعرض عليه ان ينصره { أنه أنا بعثت بالرسالة و أحتاج إلى واحد يتصدى و يعينني و يكفلني }
 العباس من جهة كان تاجراً بل تاجراً كبيراً وهو أغنى بني هاشم ، و كانت أمواله موزعة و مفرقة في داخل مكة بين المضاربة و كان أكثر عمله المضاربة

العباس بن عبد المطلب الرجل الغني

يعني كان يعطي الرجل مبلغا من المال يقول له اشتري مثلا القماش من الشام و بعها و تاجر فيها و الربح بيني و بينك { عليك الشغل و الروحة و التسويق و عليه رأس المال و الربح في ما بيننا } أو يعطي لمن يشتري الغنم ، اشتري أغنام كبرها و ربيها ثم بعها و الربح في ما بيننا و امثال ذلك .

ربا العباس

بل اكثر من هذا ينقلون أيضا كان يقرض و بزيادة و كان هذا الأمر متداولاً في قريش ، إن الواحد يعطي قرضاً مبلغاً من المال على ان يرده بعد مدة من الزمان مع الزيادة أو إذا طلبت التأخير مع الزيادة و لهذا قال رسول الله (ص) في خطبته المعروفة في حجة الوداع : ( ألا و إني أضع كل ربا تحت قدمي و أول ربا أضعه هو ربا عمي العباس)[4]

بمعنى اننا نبدأ بتطبيق الاحكام على أهلنا قبل الأخرين ، والديون التي عليكم تسددون أصلها و الربا و الزيادة لا تدفعوها لا الى العباس ولا الى غيره لأنها لا تجوز.

اسلام العباس

كان العباس متمولاً و ثرياً ، فلما جائه النبي (ص) بحساباته رأى أنه لا يستطع ان يتصدى لمثل هذا الأمر من جهة و كان أبو طالب هو سيد بني هاشم بلا منازع بل سيد قريش فقال العباس لرسول الله (ص) يا ابن أخي هلم نذهب الى عمك أبي طالب ونعرض عليه ما عرضت وقام مع النبي و ذهبوا إلى أبي طالب ،لم يقل له مثلا أنا أعتذر منك و إنما قام معه إلى أبي طالب و عرض النبي على أبي طالب ذاك و تبنى الموضوع ابو طالب (ع) .

العباس مسلم بدر ام مسلم البدايات
هل كان هذه المدة كان العباس مسلماً من البدايات قبل بدر و قبل الهجرة ام كان غير ذلك ؟
البعض يشير إلى أن بقاء زوجته و هي أم الفضل لبابة بنت الحارث و قد نقلوا أنها ثانية المسلمات بعد خديجه يعني جدا مبكر أسلمت فهذا قد لا يكون دقيقاً حيث كانت من السابقات جدا وهي من جملة خمسة  من النساء فهي في الأوائل وعلى ذلك أبقاها النبي على نكاحه كما أبقى فاطمة بنت أسد على نكاح أبي طالب ولم يكن النبي ليبقي مسلمة تحت كافر بل نفس العباس أيضا كان يعلم كما في حديثه مع زوجة الحجاج ابن علاط أخت مصعب ابن عمير حيث قال لها إن زوجك أسلم و أنت لا يجوز لك البقاء في زوجيته إلا أن تسلمي معه وإذا بقيتي على الكفر و الشرك فلا يبقى زوجك فيجب أن تتابعيه إذا أردتي زوجك ، فالرجل أيضا يعرف أن قضية المرأة المسلمة لا تحل لكافر و الكافرة لا تحل لمسلم يعرفه من وقت مبكر.

فيستشهد بعض هؤلاء أصحاب هذه النظرية على إسلامه منذ ذلك الوقت ولكن خفاء أمره و إخفاء الأمر .

لماذا أخفي العباس اسلامه كل هذه الفترة 
يأتي الجواب من أبو رافع الذي هو غلامه و عبدٌ من عبيده بعدها أهداه العباس لرسول الله (ص) ، أبو رافع سئل لماذا العباس لم يعلن إسلامه من البداية و طلع من مكة مهاجراً إلى المدينة مثل ما فعل الامام علي (ع) و باقي الأصحاب ، فقال إن العباس كانت له أموال كثيرة طائلة مفرقة في قريش فهو كمثل بنك مالي حسب التعبير ، فلو أعلن ذلك وخرج إلى المدينة لأكلها هؤلاء عليه و كان لا يحب مخالفة قومه بالعلن ، فإذا هو يشير إلى قضيتين ، قضية أنه ليس من الشخصيات التي تصطدم مع المجتمع القرشي ، و القضية الأخرى قضية ماليه و إقتصاديه _أنه عنده ديون عند الأشخاص وعنده شراكات و مضاربات و كان القرشيون إذا رأوا شخصاً قد هاجر إلى رسول الله مسلماً  استحلوا أمواله ، او حتى أموال أبيه مئة درهم و مئتين درهم و تارة بعشرات و ألاف الدراهم ، { بعض الناس لا يستطعيون الاستغناء بهذه البساطة } طبعا هذا ينقص من ميزانه و منزلته بلا ريب لان المهاجر إلى رسول الله درجته اعظم من غير المهاجر .

الإسلام الظاهري للعباس في غزوة بدر

بعد مدة صارت غزوة بدر، وفي تلك الغزوة قال النبي (ص) للمسلمين إذا رأيتم بني هاشم مع قريش في المعركة فلا تقتلوهم فإنهم خرجوا مكرهين و إذا رأيتم أبا البختري ابن هشام فلا تقتلوه _ أبو البختري هذا هو الذي سعى في رفع الحصار على النبي و المسلمين و سعى بقوي في هذا الشأن _ فكأنما النبي أراد أن يحفظ له هذا المعروف فقال لا تقتلوه وأيضا .

عندما قال النبي هذا الكلام قام بعض القرشيين مثل ابن أبي حذيفة قال والله لإن رأينا أحدهم لننعمنه بالسيف ),فلما سمع النبي (ص) ذلك قال له أصحيح ما قلت ؟ قال أبي حذيفة نعم قلت هذا و كنت في حالة غضب لقد رأيت أن بني عمومتي و أهلي سوف يقتلون بينما بني هاشم لا يقتلون لماذا ؟
 فالنبي قال لأن هؤلاء فيهم مسلمون و قد خرجوا مكرهين ثم أخبره بهذا شخصياً ما خرجوا باختيارهم ولكن لا يستطيعون عدم الخروج ، فتفهم الموقف ، فهذا الرجل وهو رجل من الرجال الأفاضل المخلصين ، بالفعل لم قتل في المعركة من بني هاشم أحد في صفوف قريش بل كانوا يستأسرون _ يستأسرون يعني لا يقاتلون أفترض أن العباس جاء استأسر فأسر استأسر يعني ذاك يريد أن يقاتله يفلت السيف فيأسر فلما أسروهم أخذوهم إلى رسول الله (ص) قال العباس للنبي أنا مسلم قال له نعم يا أبا الفضل ولكن ظاهر أمرك كان معهم هنا النبي كان في موقف دقيق إذا أطلق سراحه و قال أنا أعلم أنهم مسلمين سوف يشكك في محاباته لأهله ، و قد قالوا هذا مع حرص النبي في قضية الإمام علي (ع ) قالوا له أن هذا الكلام الذي جئت به من عندك او من الله أن تنصبه علينا خليفه و وليا هذا ابن عمك ، هذا مع شدة ملاحظة النبي فكيف لو لم يلاحظ. 
لذلك قال الله أعلم بإسلامك ولكن ظاهر أمرك كان معهم فإذا لابد أن تفتدي نفسك ، قال يا رسول الله أنا من أين لي المال على طريقة التجار{طبيعة التاجر حتى لو يكون عنده كذا يقول لا يوجد عندي فإن فلان يطالبني بكذا وبعضهم يقرا لك مناحة فتقوم تتبرع له ببعض الأموال كأنما تتصور ان لا يوجد عنده في جيبه شيء حتى قيمة الفطور } فقال لا يوجد عندي شي و كانوا يطلبون فداء لا بأس به أي أحد من الأسرى يفتدي نفسه أو يعلم عددا من المسلمين ، قال لا أملك شيء يا رسول الله فقال له تلك الأموال للي خليتها في تلك الجرة التي في الروزنة الفلانية و أعطيتها إلى أم الفضل هذه أموال ام ليست أموال؟[5]
 فقال قد كنت أعلم أنك رسول الله قبل هذا ، فقال له النبي افتدي نفسك و يعوضك الله خيرا ، و بالفعل أرسل أحدهم و أتى بالفداء و ذهب و نزلت الأيه : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّمَن فِي أَيْدِيكُم مِّنَ الْأَسْرَىٰ إِن يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ يقول العباس انه من ذاك اليوم لا زلت أجد الخير والربح  والبركة في أموالي من حيث لا أحتسب ، يعني هذا الفداء الذي وعدنا القرآن فيه اننا سنعوض خيرا مما أخذ منا رأيته أنا بأم عيني و لمسته .[6]

العباس في معركة أحد
لما افتدى نفسه رجع الى مكة عائداً من المدينة بعدها بفتره قريش بدأت تستعد للمعركة الثانية وهي معركة أحد فقام العباس و كتب كتاباً لرسول الله يفصل فيه استعدادات قريش العسكرية عن احتمال قدومهم و متى وعن التجهيزات و متى يتوقع أن يصلوا إليكم و أرسل الرسول هذا خفية للنبي (ص) فلما وصل كتاب العباس إلى رسول الله (ص) قرأه و عرضه على سعد ابن الربيع ، سعد ابن الربيع هذا احد زعماء الأنصار من خلص الأصحاب استشهد في أحد و له المقولة المعروفة ( قل لمعشر الأنصار – يقول لواحد و كان قد جرح على قريب الموت – قل لمعشر الأنصار لا عذر لكم عند الله إن شاكت رسول الله شوكة و فيكم عين تطرف ) لو يشاك النبي بشوكه و فيكم واحد حي لستم معذورين يجب أن تدافعوا عن النبي أكثر ما تستطيعون .
هذا سعد ابن الربيع كان من زعماء الأنصار فلما جيء بكتاب العباس أراه النبي كتاب العباس فسر بذلك ، أنه عندنا أحد يخبرنا عن حركات قريش و قيل هنا أن النبي أرسل إليه رسالة مضمونها أن مقامك في مكة خير لنا ، فبقي في مكة بناءً على هذا التوجيه و هذا التقريب و أيضا هناك السبب الاقتصادي

العباس بعد غزوة خيبر

عندما صارت غزوة خيبر في حدود السنة السابعة للهجرة ، و بعدما انتصر النبي و أخذ قلاع خيبر و غنم الغنائم و تزوج صفية بنت زعيم اليهود ، هنا احد من المسلمين اسمه الحجاج ابن علاط السلمي وقد أسلم سراً و جاء إلى المدينة فقال للنبي : يا رسول الله أنا عندي أموال في مكة و أخشى إذا طلعت عنها يصادروها و عندي أموال في البيت أيضا فهل تأذن لي أن أذهب إلى مكة و أقول كلاماً لتخليص مالي  أي انني سأقول شيء غير صحيح – تأذن لي في ذلك ؟
 فواقف النبي على ذلك ، فذهب هذا الرجل الحجاج إلى مكة لما وصل إلى مكة قال للمشركين بشراكم ما جئت من يثرب إلا و اليهود قد غلبوا محمداً و غنموا منه ما غنموا و الآن عندهم (حراج )على الغنائم التي غنموها من النبي يريدون بيعها فأنا أتيت لأخذ اموالي من مكة حتى أذهب وأشتري من هذا (الحراج ) فمن أحب منكم أن يشتري فليتبعني ، يا فلان لي عليك دين لو ترده لي وأنت يا فلان وهكذا ، فالمشركون هنا قالوا له فوق هذا الخبر نعطيك دينك و فوقها البشارة أيضاً بشرتنا أن اليهود غلبوا محمداً ، فأخذ أمواله كلها وذهب إلى منزله و أخذ بقيت أمواله وكانت هناك زوجته وهي أخت مصعب ابن عمير وهي لا تزال غير مسلمة  فقال لها أنا الآن أخذت الأموال التي في البيت كلها حتى أذهب إلى المدينة اشتري لك الأثاث والذهب و غير ذلك لأن اليهود قد غنموا من محمداً فقالت له لنعم ما تصنع .
 عندما سمع العباس بذلك غم و حزن و أرسل الى الحجاج قال له أريدك في مسألة قال له أنا أتيك ولكن في بيتك وليس في مكان آخر جاء إليه في منزله قال له ما هذا الخبر قال الحجاج تكتم علي :
قال له اكتم عليك قال له أبشرك يا أبا الفضل أنا أولاً أسلمت سراً وآمنت برسول الله (ص) وما تركت يثرب وما قدمت إلا و رسول الله قد فتح حصن خيبر و النطاط و الحصن الفلاني و الفلاني و غنم من الذهب كذا و من الإبل كذا و طرد اليهود و بات زوجاً لبنت ملكهم ، قال الله عليك هكذا قال له نعم  ، فقال له مثلك من بشر بخير سررتني والله هذه بشارتك فهو حصل على بشارة من الكفار وحصل  على بشارة من العباس .
قال  الحجاج له اكتم عليه ثلاثة أيام أنا إذا ذهبت و صرت قرب المدينة بعدها أخبر من تريد إخباره فوافق العباس و أنتظر ثلاث أيام وذهب إلى منزل الحجاج  يريد أن يتأكد أنه قد ذهب فرأى زوجته أخت مصعب ابن عمير ، فقال لها أين الحجاج ؟ فقالت له ذهب إلى المدينة يشتري لنا فإن اليهود قد غنموا من محمد غنائم ونحن نترقب مجيئه قال لها منذ متى خرج قالت منذ ثلاثة أيام قال الحمد لله أخبرك أن هذا الكلام كله باطل فرسول الله  (ص) قد غلب اليهود و أخذ حصونهم و بات عروسا بإبنة ملكهم – التعبير عروسا لا تستغرب كيف : التعبير هكذا بات عروسا بابنة ملكهم _ وأخبرك أنك لا تحلين له بعد هذا إلا إذا اتبعت دينه قالت هكذا قال نعم قالت فإذا أردت أن أتبع دينه ماذا أصنع قال تقولين أشهد أن لا له إلا الله و أن محمدا رسول الله (ص)
بعدها لبس جبة خز أرجوانية و تعطر و خرج على أهل مكة في وقت الضحى عندهم ، حيث كانت لدى اهل مكة عادة الجلوس عند الضحى حول الكعبة فلما رأوه قالوا يا أبا الفضل هذا والله هو التجلد صدقاً أنت صبور ، فابن أخوك مهزوم مذبوح و أنت متماسك و متجلد و تلبس الجديد قال لهم لا أخبركم أن الحجاج قد خدعكم { ضحك على لحاكم } حسب التعبير ، الرجل جاء و أخبرني أنه ما خرج إلا و قد فتح الله على ابن أخي محمد خيبر و أخذ حصونهم و غنم غنائمهم و بات عروسا بابنة ملكهم و الرجل أي الحجاج جاء و اخذ أمواله من عندكم و رجع إلى المدينة ، فما كان عندهم أعظم حسرة من ذلك اليوم .
قبيل ذك كان فتح مكة

العباس في معركة حنين

في حنين كان للعباس دور كبير و مهم كما ينقل و هو أنه في البداية اعجر المسلمون بكثرتهم فلم تغن عنهم من الله شيئا ، انهزموا هنا النبي (ص) ثبت في عشرة من بني هاشم مثل( أيمن ابن أم أيمن و العباس كان أيضا من الموجودين ) فالعباس لم يكن مثل شجاعة علي و قتال علي ولكن عنده ميزة ليست موجوده عند أي أحد من المسلمين و هي صوته الجهوري أو الجهري فقد كان عنده صوت قوي كالقنبلة على حسب التعبير .

صوت العباس لدى القصّاصين

يذكر القصّاصون شيئاً و أظنه مبالغ فيه يقولون أنه مرة قابل أسد في طريق له فصرخ في وجه الأسد صرخة فانشقت مرارة الأسد فوقع ميتا و هذا كما قلت مبالغ فيه و اظن أن هذا لوجود مبالغات عند القصاصين ، في التاريخ هناك مشكلة عند القصاصين و كتاب التاريخ يبالغ في نقل القصص العجيبة ، و لكن هذا يبين لنا أنه كان عند معاصريه ذا صوت جهوري و عظيم جدا .

ذكاء النبي وتوظيفه لأصحابه في المعارك

معركة حنين كانت واقعة في  منطقة جبليه  فالصوت فيها يتردد و يصبح له صدى أكبر من المعتاد فالنبي أمر العباس و هذا من ذكاء النبي (ص) ان يأخذ من كل أحد الشيء الذي ينجح فيه فمثلا  حسان ابن ثابت لم يكن  بأهل للقتال فكان لا يرسله إلى المعركة و لكن وقت الشعر كان يقول له اتكل على الله و ارميهم بأبياتك فكان شعره كالنبال عليهم ، علي ابن ابي طالب كان يحتاج له بسيفه طبعا هو في كل المواقف كل الأمور (ع) هو الكامل بعد رسول الله (ص) فالعباس كان عنده هذا الصوت العظيم فنادى في ذلك المكان السفح الجبلي يا أصحاب بيعة الشجرة يا أصحاب سورة البقرة إلى أين تفرون هذا نبيكم يقاتل وصل صوته إلى أخر واحد من المسلمين فعلموا أن النبي حيّ و لا يزال يقاتل وهو ثابت فتراجعوا وفاءوا بالتدريج و التئموا وكان النصر و الفوز من جديد للمسلمين .
العباس في فتح مكة

استفاد المسلمون ورسول الله (ص) من علاقات العباس مع كبار قريش فقال له اذهب و اتي بأبي سفيان و دعه يقف على العقبة حتى يراه المقاتلون والجنود و المسلمون عندما يأتون ويكون مثل العرض العسكري أمامه حتى لا يفكر مرة أخرى في القتال، و كل كتيبة تأتي بلباس خاص و تأتي في حاله معينه فاستعرض أمامه الجنود و المسلمون غير أن النبي قبل ذلك في الليل أمر كل جماعة تشعل نارا فعملوا مثل السوار من النار حول مكة . [7]

 

بعد ان انتهت مكة عسكريا و انهزمت و بعدها العباس جُر ابا سفيا إلى خيمة رسول الله (ص) وهو يقول للعباس لقد اصبح مُلك ابن أخيك عظيما فقال العباس ويحك يا ابا سفيان ما هو بملك إنما هي النبوة قال هو كما تقول .[8]

العباس وخلافة أمير المؤمنين
بعد وفاة رسول الله (ص) كان موقف العباس واضحاً مع أمير المؤمنين (ع )حيث جاء إلى عنده وقال له أأبن العم يا ابا الحسن ابسط يدك أبايعك فاذا فعلت ذلك قال الناس هذا عم رسول الله بايع ابن عم رسول [9]فلا يختلف عليك اثنان وكأنه يريد القول ( أنا كشخصية اجتماعيه مسموع الكلمة و انت المؤهل و المرشح فينتهي الامر ، وهذا كان من العباس نوعا من التبسيط للمسألة لكن الفرقة الأخرى كانت عازمة على أمر آخر وقد عقدوا الاتفاقات و رتبوا أمورهم فالقضية ليست هكذا بمجرد ان يبايع العباس تنتهي القضية ، انتبه العباس إلى ذلك في ما بعد فقال شعرا :

ما كنت أحسب أن الامر منصرف *عن هاشم ثم منها عن أبي حسن

أي أنني لم اتصور ان تبعد الخلافة عن بنو هاشم و عن الامام علي (ع ) 
و لما جاء إلى ابي سفيان عرض ابو سفيان على الامام علي ان قم وانا معك لكن الامام رفض لأنه يعلم أن هذا كيد للإسلام ، ذهب أبو سفيان للعباس و قال أنت عم النبي و أسن واحد من بني هاشم و أولى واحد فقال له عجبا يدفعها علي و يقبلها العباس ؟ [10]،

 

كان موقف العباس من إمامة أمير المؤمنين ( ع ) بمثل هذا الموقف و كان رأيه من الإمام ( ع ) رأيا عالياً يُشهد له .

العباس في مرض الزهراء

لما توعكت السيدة الزهراء ( ع ) بعد وفاة أبيها و توفيت جاء العباس إلى مير المؤمنين قال له الآن هذه عزيزة رسول الله قد اختارها الله إليه و إذا تأذن لي أن اجمع المهاجرين و الأنصار و جميع المسلمين حتى يشيعوا و يصلوا على فاطمة فإنها عزيزة النبي و تستحق هذا التكريم فقال له يا عم إني أعرف عطفك و حنانك و أقدر لك هذا الموقف و لكن إن فاطمة قد أذنتني ألا يشهد جنازتها هؤلاء وأن تبقى حالة المظلومية على حالها فقال له الرأي ما رأيت : وهكذا التعبير والله لم يولد لعبد المطلب ولد بعد النبي أبرك من علي ابن أبي طالب عليه السلام [11]
فعبد المطلب ولد له ابو طالب وحمزة و العباس وجعفر هؤلاء مباشرة و غير مباشرة لكن يقول أنه من بعد النبي لا يوجد ولد أكثر مباركة من أولاد عبد المطلب من علي ابن أبي طالب .


وفي ما بعد عندما أراد الخليفة الثاني عمر أن يذهب إلى الشام طلب من علي أن يرافقه وهي نمط العلاقة بين الامام و الخلفاء بحث جدا ظريف وهو بحث يحتاج إلى بحث مفصل _، فالإمام علي عليه السلام لم يقبل فذهب عمر إلى العباس كبير بني هاشم بعد علي فقال له أنا أريدك أن تذهب معي إلى الشام أنت عم النبي و شخصية بني هاشم يقولون أن العباس استأذن من الأمام علي و قال له فلان ذكر لي السفر إلى الشام ما رأيك فقال الإمام اذهب معه فذهب معه لما وصلوا إلى الشام ، كان العباس من حيث اللباس كان جدا فخم فهو تاجر و طبيعته هكذا أنيق الملبس و كان جسمه جسماً هاشمياً طويل و عريض والى أخره و ملامحه ملامح عبد المطلب فالناس لما كانوا يرون العباس و عمر معا لا يميزون الخليفة ، من جهة لا يعرفون الاسماء فتصوروا ان صاحب الهيبة و الوجه الاستثنائي هو الخليفه كانوا يأتون للعباس و يسلمون عليه بالسلام عليك يا أمير المؤمنين السلام عليك يا خليفة المسلمين بعدها التفت عمر إلى العباس قال له كأنك تظن أنك أحق بالخلافه فقال له أحق مني و منك خلفناه في المدينة قال من تعني قال ذاك الذي ساقنا إلى الدين بسيفه علي ابن أبي طالب عليه السلام[12] . فكان هكذا موقفه .

 

العباس والاستسقاء به

يلاحظ أمر أمير المؤمنين (ع) و تقدمه عليه و تفضيله إياه حتى يذكرون هذه القصة المشهورة في التاريخ الرسمي لكنها مبتورة وهي قصة استسقاء الخليفة عمر بالعباس يذكرونا حتى عندهم يجوز التوسل بالاحياء الدليل على ذلك ان الخليفة عمر استسقى بواسطه العباس ابن عبد المطلب هذه يثبتونها بالتاريخ[13]  ،الرواية عندنا عن الإمام الكاظم (ع) أن الخليفة عمر لما قال للعباس هلم يا عم النبي فاستسقي لنا قال له العباس أفعل ولكن لا تخلط بنا بني هاشم أحداً فقال له : لك ذلك فخرج العباس وعن يمينه علي ابن ابي طالب و عن يساره الحسنان و ورائهم بنو هاشم ثم دعا العباس أن ينزل عليهم الغيث و المطر و استذكر قضية ابراهيم و سقياه و أمن على دعائه بنو هاشم و بقية المسلمين حتى في هذا الموقف يضع الامام علي امير المؤمنين عن يمينه و الحسنين عن شماله و يدعوا ضمن هذه [14]

تاريخ العباس المشرق

و هكذا كان العباس في مواقفه يستحق أن يقول عنه النبي كما ذكره صاحب المستدرك ( لا تؤذوني في عمي العباس فإن عم الرجل صنو أبيه في رواية أخرى لا تؤذوني و احفظوني في عمي العباس) و أمثال ذلك و هذه موجودة في المصادر غير الشيعية كما هي موجوده في مصادرنا كالمستدرك وغيرها من المصادر ، هذه المواقف تبرر أن النبي (ص) يثني عليه و يمدحه نعم بنو العباس أحفاده بدءً من أيام المنصور الدوانيقي حتى أبو العباس السفاح لم يكن بوحشية من تلاه كان يلاحظ شيء من الاحترام الى بني هاشم و لأهل البيت لكن بدءا من المنصور العباسي بدأ تيار الدم و القتل وتصاعد ايام هارون الرشيد وبلغ ذروته أيام المتوكل و الهادي و هكذا صار شلال من الدماء ، بنو الحسن قتلوا سجنوا شردوا أل الحسين تم اغتيالهم اعمال منكره فعلوا حتى لقد قال القائل الشاعر ابو فراس الحمداني رضوان الله تعالى عليه في قصيدته الشافيه

بئسَ الجزاءُ جزيتمْ في بني " حسنٍ " !           أباهم العَلَمُ الهَادِي وَأُمَّهُمُ

لا بيعة ٌ ردعتكمْ عنْ دمائهمُ ،                        ولا يمينٌ، ولا قربى ، ولا ذممُ

 

 

[1] المسترشد - محمد بن جرير الطبري ( الشيعي) - الصفحة ٦٩٠

[2] موسوعة الإمام علي بن أبي طالب (ع) في الكتاب والسنة والتاريخ - محمد الريشهري - ج ١٢ - الصفحة ٦٣

[3] زوجات النبي (ص) - سعيد أيوب - الصفحة ١٠٧

[4] أعيان الشيعة - السيد محسن الأمين - ج ١ - الصفحة ٢٩٩

[5] الكافي - الشيخ الكليني - ج ٨ - الصفحة ٢٠٢

[6] الكافي - الشيخ الكليني - ج ٨ - الصفحة ٢٠٢

[7] بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج ٢١ - الصفحة ١١٩

[8] السيرة النبوية - ابن هشام الحميري - ج ٤ - الصفحة ٨٦٣

[9] الامامة والسياسة - ابن قتيبة الدينوري ، تحقيق الزيني - ج ١ - الصفحة ١٢

[10] بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج ٢٨ - الصفحة ٣٢٨

[11] الدرجات الرفيعة في طبقات الشيعة - السيد على خان المدنى - الصفحة ٩٦

[12] بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج ٣٠ - الصفحة ٢١٣

[13] رفع المنارة - محمود سعيد ممدوح - الصفحة ٩٢

[14] مناظرات في العقائد والأحكام - الشيخ عبد الله الحسن - ج ٢ - الصفحة ٣٨

مرات العرض: 2613
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (2551) حجم الملف: 57376.78 KB
تشغيل:

مارية القبطية وابنها ابراهيم بن النبي
حليمة السعدية مرضعة النبي صلى الله عليه وآله