محاضرات محرم 1435
بناء الأمل في بيئة الاحباط
Shaikh Fawzi Alsaif - 18 / 1 / 2014م - 1:19 ص

قال الله تعالى(يابني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح الله انه لاييأس من روح الله إلا القوم الكافرون)

الآية من سورة يوسف تتحدث عن الفترة التي أعقبت أبقاء أخي يوسف الشقيق  في أرض مصر معه وعودة بقية الأخوة إلى أبيهم لكي يذكروا له أن أبنك قد سرق (وماشهدنا إلا بماعلمنا )وكان توجيه يعقوب لأبنائه أن أذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه التحسس يختلف على رأي بعض فقهاء اللغة عن التجسس فيما أن التجسس: عادة  هو تتبع الأمور السيئة من الطرف الآخر .

وقد ورد في القرآن النهي عنه في قوله تعالى (ولاتجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضًا)

بينما التحسس :هو أشمل من الممكن أن يكون التفتيش عن الأمور الحسنة والجيدة فاستخدمت هذه الكلمة في الآية المباركة بأعتبار إن نبي الله يعقوب كان يريد من أبناءه أن يذهبوا للبحث عن يوسف وأخيه بأستخدام حواسهم وإذا كان أمر البحث عن أخي يوسف الذي  سجن بناءً على أنه وجدت السقاية في رحله  فهذا شيئ طبيعي نظراً لقصر المدة. أما التحسس والبحث عن يوسف الذي مر على مفارقته لأبيه سنوات طويلة والعنوان الرسمي أنه قد أكله الذئب وبالتالي أنتهى أمره وكأن القضية ليست ضمن القضايا الطبيعية القربية الحدوث و الحصول  فيقول لهم (ولاتيأسوا من روح الله)

 وكلمة رَوح تختلف عن رُوح فالرُوح مقابل البدن يقال الإنسان فيه رُوح وبدن

أمارَوح فهي بمعنى الفرج والإسترواح ،إنسان مثلا يسجن في مكان ضيق مخنوق يقول أخرج  أستروح و تعادل الرحمة وتعادل الفرج  بعد الضيق (ولاتيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون)

لماذا اليأس من روح الله ينتج الكفر؟

ينتج الكفر نظراً لأعتقاد الإنسان أن الله عزوجل لن يفرج عنه وهذا الإعتقاد نابع من أحد أمرين :

أما أن الله لايقدر على ذلك  ومعنى هذا ا نسبه العجز لله وسلب صفة القدرة وهذا يعد كفرأً

وأما أن يعتقد أن الله قادر ولكن بخيل يقدر ولايفرج عنا  لايرسل روح منه لايعطي الناس مايريحهم  وهذا سلب صفة الرحمانية والرحيمية والكريمية من الله والعكس أن الله كريم ورحيم وهي بالالتفات تنتهي للكفر

والآية المباركة تشيرالى حالة اليأس أحياناً تتحول وتكون مقاربة للكفر فعندما يعتقد الإنسان إن الله لن يغير الحال لن يفرج لن يصنع شيئ أفضل مماهو الآن فهذا يصل الى مرتبة الكفر.

فاليأس من روح الله اوالتعبير المعاصر لها وهو الإحباط الداخلي قد يكون في فرد وقد يكون في مجتمع فهناك بعض الأفراد في حياته الخاصة يعتقد ان لاشي حسن سيحدث والمستقبل

أسوأ من الماضي  والأمر يسير من سيء إلى أسوأ وأن لاشيئ سيتغير للأحسن  فيه  حالة  من الإحباط في داخله هذا بالنسبة لشخص .                 

و الأسوأ عندما تكون هذه الحالة في مجموعة بشرية  فالقضية  أكثر إشكالاً .

فعندما يكون المجتمع محبط  ويائس  ويتوقع أن لاشيء جيد سيقع  وأن الأمور الآتية هي  أسوأ من مامضى  هنا تكون المشكلة اكبر لأن المجتمع حينها سيتحول الى  كتلة سلبية متوقفة .

فكيف نستطيع أن نبني الأمل في مثل هذه المجتمعات ؟والتي منها مجتمعنا الإسلامي والشيعي فهو يتأثر بدرجة وأخرى بحالات الإحباط واليأس هذا  الأمريحتاج أن نفكر سويًا  في بعض الأسباب المرتبطة بحصول هذه الحالة فلما تحصل في هذا المجتمع دون  ذاك وفي هذا الفرد دون غيره  فهناك عدة أسباب منها:

شيوع الثقافة المحبطة  اليائسة هذا على فرض أن نسمي هذا بمسمى الثقافة  فهناك كلام في المصطلح : هل يصح إن نسمي الأفكار السلبية الداعية إلى التراجع  بمسمى  الثقافة هناك بحث في هذا الصدد.

وضعت هذا كتعبير دون النقاش في المصطلح هنا نريد إن نركز على نقطة غالبا ماتغفلها لأذهان وهو دور الأمثال الشعبية في صناعة الإحباط فهي من الأمور المهمة التي ينبغي للباحثين والدارسين دراستها و البحث عنها وهي قضية تتبع دور المثل الشعبي في صناعة ثقافة يائسة ومحبطة والمثل الشعبي مهم جدا ومؤثر فقد يكون تأثيره أحيانا أكبر من الكتاب والخطاب لأنه قريب من الكبير والصغير  يتفاعلون معه   لأنه من بيئتهم ولا يحتاج إلى شرح فهو يؤثر تأثير سريع ومباشر  وبعض الأمثلة  والكلمات وأبيات الشعر تسود في فترات معينة  فتصنع سلوكاً يائساً ومحبطاً فمثلاً لوتحدثت مع آخر عن العمل ضمن مشروع من مشاريع الخدمة الإجتماعية فتراه يتعذر لك سريعاً بأن هناك من يخالفه ويأتي لك ببيت شعر سريع  :

أرى ألف بان لايقوم لهادم ....فكيف لبان خلفه ألف هادم

وكأن المجتمع نسبة المخربين والمدمرين للعمل الصحيح  هو ألف ضعف  وهذا غير صحيح  أكثر الناس ميلهم  الى الخير بغض النظر انه يقوم به أولاً فهناك الكثير ممن يتعاون والذي لم يتعاون أما لأنه لم يكن عنده المقدرة أو لشئ آخر لا أن هذا الشخص لايريد أوسلبي فنسب الخير في المجتمع كبيرة جداً فلما يقول الفرد بيت الشعر السابق فهو يصور صورة خاطئة عن المجتمع وبالتالي ينشر صورة خاطئة عن العمل وكثير من الأمثلة والحكايا الشعبية تنتشر والدراسين في هذا المجال سيتبين لهم أن عدد من الأمثلة شعراً ونثراً تنشر آثار سلبية للمجتمع وتشكل ثقافة لهذا المجتمع  فهذه الامثلة أين وتوجيه القرآن أين

فالقرآن يقول (من يعمل مثقال ذرة خيراً يره) الذرة الحسنة الذي يأتي بها الفرد يثاب عليها ومنهج أهل لبيت يكذب النظرية السلبية

فكربلاء مثلا قامت على مئة شخص وعملت عليه كل معاول الهدم الرسمية واليوم هؤلاء المئة أصبحوا ثلث المسلمين وأكثر مع كل ذلك التهديم.

من الأمور التي قد تنتج الإحباط طلب المثالية في الأمور والمثالية هي: طلب أعلى شيء في أقل وقت وبأدنى  الأثمان وهذا لايحصل عادة .

فأنا أريد أن عمل عملاً مريح جداً ساعتين خلال اليوم وأريد أن أصبح ملياردير خلال أسبوع هذا محال فأنت أما تقلل المبلغ أوتزيد الجهد أوتزيد المدة أو أحدها أومجموعها

فالمثالية في الأمور تنتهي أحياناً الى الإحباط

مثلاً نرى مجموعة يتحركون على إنشاء مدينة جامعية في هذه المنطقة تفيد الناس والعلم والمنطقة ككل فيأتي شخص يقول مافائدة هذا نحن نريد تحصيل الحقوق الكبرى  فمافائدة المدينة الجامعية.هذه المثالية في الامور. 

فإذا تحقق إنجاز في الجانب الاقتصادي يقول لك ماذا صنعت في الموضوع السياسي وهكذا على سائر الأصعدة فدائما يقول ماقيمة هذا وما قيمة ذاك.

 فهناك قسم من الناس أما أعلى شيء أولا شيءكما في المثل (لوحكيم باشي لو أموتن) أما رئيس الأطباء وإلا أموت أفضل .

هذه المثالية في الأمور والطلبات عادة تؤدي  بالإحباط لأنها لاتحدث و لأن الإنجازات تراكمية فلا يوجد مجتمع في الكون لم يبدأ من درجة واحد الى درجة مئة  مباشرة لابد من التدرج في كل القضايا فهذه المدنية والحضارة والاكتشافات التي تتنعم فيها البشرية اليوم كانت قبل 300سنةغير موجودة ووجدت بالتدريج  عندما يتعود مجتمع على أنه لايريد إلا المثالية  هذا المجتمع يصاب بالإحباط ومع الأسف أنه قسم من مجتمعنا الشيعي هكذا لأن مقاييسنا الشيعية على أهل البيت :مثلا نريد قائد ولكن كعلي بن أبي طالب لكن الإمام علي لايتكرر نسخة فريدة.

أخلق لك ماشئت من الظروف فعلي بن أبي طالب لايتكرر أو أريد إمام مثل  المقدس الأردبيلي  أصلي خلفه وإلا فلالا فالقضية ليست هكذا .

وصناعة الإحباط  أيضا قد تأتي من قبل جهات سياسية تتعتمد ذلك لكي لاتتحرك المجتمعات في اتجاه النهضة والمطالبة بحقوقها فتعوق المسيرة باستمرار حتى تحبط هذه الجهود أما الجانب  الأخر الذي لابد من التحدث فيه هو كيف يبني الإسلام الأمل؟؟

هناك عناية خاصة على أكثر من مستوى يحاول الدين من خلالها أن يبني فيه الناس الأمل

ومنها أن الدين يقول للإنسان أن عملك لايمكن أن يضيع فالعمل الصالح يرفعه الله  فهذه طبيعية العمل الصالح .

 ( وأما ماينفع الناس فيمكث في الأرض)له جذور راسخة مستمرة وله ارتفاع حتى يراه الناس وهذا العمل لايجب أن يكون كبير ومفصل بل أي عمل  يأتي به الفرد(وقل أعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون)وفسرت المؤمنون في بعض التفاسير بالمعصومون عليهم السلام وبتفاسير أخرى هو بالأعم .فأنت تزرع شجرة بعد عشر سنوات تجدها مثمرة .

أنت تبدأ بناء مسجد بعد عشر سنوات تجد فيه المصلين بكثرة فيرى المؤمنين نتيجة عملك

فعملك لايضيع أبداً (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره)

لايقول يرى ثوابه بل يراه هو وهنا إشارة انه قد يرى نتائجه في هذه الدنيا كما سيرى نتائجه في الآخرة

فربما تقال كلمة في ظرف من الظروف أنت تتأثربها كما في بيت الشعر

الذي قاله عمر بن جندب بن جناده ذلك الغلام الذي لم يتجاوز العشر سنوات في كربلاء عندما قال :

أميري حسين ونعم الأمير     سرور فؤادي البشير النذير

إن هذه الكلمات  تؤثر في الكثير من النفوس مع أنها قيلت  منذ زمن  بعيد ولم يتوقع  هذا الغلام أن يكون لكلامه أثر أو إن احداً سيتأثر بها

فمن يعمل خيراً ومن يتكلم خيراً ومن يقدم خيراً سيراه  بل حتى لوحصل الفشل أو أن عمله لم يكن مجدي  الدين يقول له لاتتأثر ولاتهتم  لعل الذي أبطأ عني هو خيرلي .

فالفرد عليه بوظيفته.والقيام به بعد تخطيط و أستعداد  وإن فشل هذا العمل فلاتشعر باليأس   لعل الذي أبطأعني هو خير لي.

وإذا رأيت من  يقاوم مشاريعك طرف قوي ويؤثر سلباً عليك عندها قل  حسبنا الله ونعم الوكيل

(الذين قال لهم الناسُ إن الناسَ قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم أيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل)

فالتوكل على الله شيء مهم علينا إن نعمل فلسفة التوكل وليست مجرد قضية أخلاقية بل هي فلسفة حياة .فيعطيك الدين هذا الامر

وإذا كانت  الامور ضيقة وصعبة فلنراهن على المستقبل وهو قائم أل محمد

فالآخر كل مايمتد به الزمن  يتعب ويسئم وتستنفذ طاقته ويقل أمله إما نحن فإذا تعبنا أو ضعفنا فهناك قوى يبعثه الله ليرفع ضعفنا فبإيمننا بالمنتظر عجل الله فرجه وبإمامته وبحتمية خروجه يجعل الإنسان متعالياً على بيئات الإحباط وظروف اليأس ويكمل ذلك بمزيد من العمل.

وأنا أخالف الأمل الكاذب فبعض الأحيان نرى شيء من التزيد فمع كل حدث نرى الأقاويل بأن الإمام سيظهر ويخرج في هذا الوقت  وهذا بدوره يصنع الإحباط ولذلك نهينا عن التوقيت .

فكل يوم يقولون أن علامة ظهور قد حدثت . ويحددون وقتاً للظهور مع كل حدث فهذا أحياناً يصيبنا بالإحباط وينتهي إلى صناعة اليأس .

إذ على المستوى الديني هناك مفاهيم مختلفة تبعدنا  عن اليأس والإحباط  فكل عمل له

ثمرة ونتيجة وله تأثير وان لم يكن  في حينه سيكون  في المستقبل.

مثلاً : قدر كبير من كلمات الإمام الحسين لم تؤثر في جيش عمر بن سعد ولكنها أثرت في هذه الأجيال التي تهتف الآن لبيك ياحسين هذه استجابت لنداء الحسين لكلمات قيلت في تلك الأزمنة لم تؤثر في حينها ولكن أثرت بعد ذلك فأثارت ثورات وحركت مجتمعات فيما بعد

 (ولا تيأسوا من روح الله فإنه لاييأس من روح الله إلا القوم الكافرون)

لذلك رجال الله في أشد الساعات حلكة يكونون أكثر انتظارا للفرج وأكثر أستبشاراً بالخير حتى قال قائلهم في حق الحسين عليه السلام في كربلاء

(والله مارأيت مكثوراً قط  قد قتل أهله وأنصاره أربط جناناً من الحسين بن علي) والمكثور هو الشخص الواحد الذي أحاط به الجيش من كل الجهات وقد كانت الرجال تحيط به فلا يزداد نوروجهه إلا أشراقاً .

 

اضف هذا الموضوع الى: